
تنظيم قطاع الصيدلة بين حقّ الاستثمار وواجب الإشراف: حين تُختزل الجودة في حلول لا تُجدي
إن تنظيم قطاع الصيدلة مسؤولية دقيقة تمسّ صحة المواطن واستقرار منظومة دوائية قائمة منذ عقود. وأي إصلاحٍ في هذا القطاع لا بد أن يستند إلى معايير علمية ووقائع ميدانية، لا إلى حلول شكلية قد تبدو حازمة في ظاهرها، لكنها تُنتج آثارًا عكسية عند التطبيق
*الملكية ليست بديلًا عن الإشراف الفني*
سلامة الدواء لا تتحقق بهوية المالك، بل بوجود صيدلي مؤهّل مسؤول عن الصرف، مستقل مهنيًا، وخاضع للمساءلة العلمية والقانونية. فالمستثمر لا يقرّر الجرعات ولا يصرف الدواء، كما أن الصيدلي غير المتوفر على القدرة المالية ليس مُلزمًا بأن يكون ممولًا أو رجل أعمال حتى يؤدي رسالته العلمية
إن الفصل بين الدورين — الاستثماري والمهني — هو القاعدة في النظم الصحية الرشيدة، لأنه يحمي المهنة ويُحسّن جودة الخدمة
الحقوق المكتسبة والاستقرار القانوني*
الصيدليات القائمة أُنشئت بتراخيص رسمية، وفي ظل قوانين نافذة شجّعت الاستثمار الوطني لسد فجوة دوائية حقيقية. وما بُني على القانون لا يجوز تقويضه بقانون لاحق دون انتقال عادل ومدروس.
إن تطبيق القوانين بأثر رجعي لا يضر بالمستثمرين فحسب، بل يهزّ ثقة الجميع في استقرار المنظومة القانونية، ويُربك الخدمة بدل تحسينها
ويُثار أحيانًا القول بضرورة تطبيق أي قانون أُجيز وأصبح نافذًا، ولو شابته ثغرات، بحجة الحفاظ على هيبة الدولة والقانون. غير أن هيبة الدولة لا تتحقق بالإصرار على نصوص ثبت قصورها، بل بامتلاك الشجاعة المؤسسية لتصحيحها وتعديلها قبل إنزال آثارها السلبية على الواقع. فالقانون وُضع لخدمة الصالح العام، لا لتحصين الأخطاء
*قانون المسافة: حين تُقيَّد الخدمة دون تحسين الجودة*
أثبتت التجربة أن فرض تباعد الصيدليات بمسافات مُستنسخة وغير مدروسة لا يحسّن الجودة، بل يحدّ من سهولة وصول المواطن إلى الدواء، لا سيما حين لا تستفيد الأحياء الطرفية والمناطق الأقل تغطية من هذا الإجراء.
وقد بقي أثر هذا النهج منعدمًا أو محدودًا على مستوى السلامة الدوائية، مقابل زيادة العبء على المواطن.
فالجودة تُصنع بالرقابة والتفتيش المنتظم، لا بالبعد أو القرب الجغرافي
*مخاطر القوانين غير المدروسة*
من أخطر ما يواجه التشريع الصحي استنساخ نصوص لا تُراعي الخصوصية المحلية، أو تمرير قواعد عامة قابلة للتحايل أو الاستخدام الانتقائي. وحين يُفصل القانون عن مقاصده، يتحول من أداة تنظيم إلى أداة إقصاء، وقد تُستغل شعارات مثل “حماية الدواء” لنتائج لا تخدم المواطن ولا القطاع
*كيف يكون الإصلاح الرشيد؟*
يقوم الإصلاح الحقيقي على:
• تعزيز الإشراف الفني للصيدلي واستقلاله المهني،
• حماية الاستثمار الوطني والحقوق المكتسبة،
• منع التطبيق الرجعي للتشريعات،
• مراجعة كل قانون ثبت عدم جدواه عمليًا،
• اعتماد فترات انتقالية مدروسة لأي تعديل جوهري ومفيد،
• إشراك الفاعلين المهنيين في صناعة القرار
*الخلاصة*
إن حماية الدواء لا تكون بتغيير المالك، ولا بتباعد أو تضييق المسافات، بل ببناء رقابة فعّالة وعدالة تنظيمية تُنصف الصيدلي في مهنته، والمستثمر في حقه، وتحمي صحة المواطن، وتضمن استقرار المنظومة الدوائية.
محمد السيد ابه


.gif)
.jpg)


.jpg)
.jpeg)