مساحة إعلانية

     

  

    

  

الفيس بوك

محمد لحبيب معزوز يكتب/ الفتنة الإنقلابية

حينما يكون التنازع على الحكم بين أقلية وأغلبية إلى درجة الصراع والصدام الدموي بعيدا عن الطرق المعهودة لتداول السلطة سلميا يمكن وصف هذه الحالة بالفتنة الانقلابية.
في العام 1994 حدثت إبادة جماعية في رواندا وصفت بأنها الأبشع في التاريخ المعاصر في القارة الإفريقية، بسبب التنازع على السلطة بين أقلية تمثل 14% من عدد السكان هي التوتسي المهاجرين أصلا من الحبشة وأغلبية تمثل 85% من عدد السكان هي الهوتو وهم السكان الأصليين، وكان للاستعمار البلجيكي 1916 دور في بذر وإنبات هذه الفتنة ثم اليد الخفية الفرنسية في إذكاء وإشعال الصدام كما يقول المحققون.
الهوتو مزارعون معتقداتهم إفريقية وثنية وإن كانت من بينهم أقليتان مسلمة ومسيحية مارسوا فلاحة الأرض كابرا عن كابر.
التوتسي يمارسون الرعي وتربية المواشي خاصة الأبقار مسيحيون كاثوليك وبفضل ثرائهم وقربهم من المستعمر بحكم الديانة المشتركة كانت لهم اليد العليا في الوظائف والمنح الدراسية.
فرق الإستعمار البلجيكي بين القبيلتين في الحظوة انطلاقا من سياسة فرق تسد، فاعتبر التوتسي عرقا متفوقا على الهوتو فولد ذلك شعورا من الاستياء والضغينة لدى الهوتو حيال من كانت لهم بلجيكا راعية وحامية.
وفي العام 1959 كان السخط قد بلغ مبلغه فحدثت فتنة راح ضحيتها من التوتسي 20 ألف قتيل ألقي الكثير منهم في النيل وقاتلوهم يصيحون عودوا إلى أثيوبيا من حيث جئتم.
فر الكثير من التوتسي إلى البلدان المجاورة بروندي ويوغندا خاصة.
بعد ذلك بسنين تشكلت الجبهة الرواندية بقيادة بول كاغامي وكان هدفهم الإطاحة بالرئيس هابياريما وضم الساخطين من حكمه من الهوتو إلى صفوفهم فاستغل الرئيس هذا الوضع المتوتر الذي تخللته هجمات مميتة على الجيش داخل رواندا لتعبئة الشعب وخاصة الهوتو من خلال خطاب مشحون بمغازي وإيحاءات هي للحرب أقرب، والحرب أولها كلام والنار أولها دخان.
اتهم التوتسي في الأثناء داخل البلاد صراحة بأنهم متعاونون مع الجبهة الوطنية المتمردة التوتسية.
في العام 1993 وبعد أشهر من المفاوضات وقع اتفاق سلام بين الرئيس والجبهة الوطنية وكان هشا حيث تواصلت أعمال العنف على الحدود وضد قوات الجيش، وما إن أسقطت طائرة الرئيس يوم 6 أبريل 1994 فوق مطار كيغالي حيث لقي الرئيس حتفه حتى كان السيل قد بلغ الزبى وكان السيف قد سبق العذل.
في 7 أبريل 1994 بدأت الإبادة الجماعية في رواندا وحتى منتصف شهر يوليو من نفس العام، حيث شن الهوتو الغاضبون أعمال عنف وحشية في حق التوتسي بدأت من العاصمة وانتشرت في كافة أرجاء البلاد لمدة 100 يوم متواصلة راح ضحيتها ثمانمائة ألف روادني من كلا الجانبين وإن كان أكثر الضحايا من التوتسي والبعض يرفع الرقم إلى أكثر من مليون.
لقد كان لإسقاط الطائرة الرئاسية بصاروخ أرض جو فوق مطار كيغالي ومقتل الرئيس الهوتي الشرارة التي أشعلت الفتنة الدموية حيث اتهم التوتسي بإسقاطها واتجهت الأصابع إلى زعيم التوتسي بول كاغامي الرئيس الحالي ومعاونوه.
خلال الإبادة الجماعية قتل الجيران جيرانهم كما قتل بعض الأزواج زواجتهم من التوتسي بحجة أنهم سوف يقتلون إن لم يفعلوا.
التحقيقات في أسباب ما حدث أثبتت أن اليد الخفية الفرنسية كانت ضالعة في تحريض البعض على البعض بل وأكثر من ذلك.
 
الخلاصة:
قد تتشابه أحداث التاريخ وإن اختلفت الأماكن والأزمان وتظل الدروس المستفادة منها عبرة لمن يعتبر ودرسا لمن يعي ويتعظ، غير أن التاريخ علمنا أن الإفساد في الأرض شيمة المفسدين ودعاة الحرب والحرابة بعدوا أم قربوا.
السؤال المطروح، هل الحل على الطريقة الرواندية الذي انتهى بتسلم أقلية انقلابية للحكم في البلاد هو الحل الأمثل،أم هي النار تحت الرماد.
السؤال قبل الأخير، هل السيناريو الرواندي قابل للتكرار في بلدان أفريقية أخرى؟
السؤال الأخير، هل هذا هو السيناريو الذي بُدِئ بالعمل على تركيبه لإشعال الفتنة في بلاد شنقيط بواسطة مرتزقة الداخل والخارج؟
لسان حال المستعمر يقول لو عاد بنا الزمن لما غادرنا القارة أصلا، أما زمننا هذا فهو زمن تدوير المخلفات والخلافات لمن لا يعلم.
وصل الله وسلم على سيدنا محمد الذي وأد الفتن وأرسى القيم ورفع الهمم وأتم الله على يديه الآيات والسنن وجاهد في الله حق جهادة حتى أتاه اليقين.
 
 
انواكشوط بتاريخ 21 شعبارن 1447 هـ
                 الموافق 09 فبراير 2026م
**ـ عقيد متقاعد
    من مواليد مدينة أطار الموريتانية
    المؤهلات العلمية:
باكلوريا وطنية
ليسانس حضارة وإعلام ـ المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية
بكالوريوس علوم عسكرية ـ جامعة مؤتة الأردنية
ماجستير علوم عسكرية وإدارية ـ جامعة مؤتة الأردنية
ماجستير علوم إستراتيجية ـ أكاديمية ناصر العسكرية العليا ـ مصر

ثلاثاء, 10/02/2026 - 07:30