
إعادة ابتكار الديمقراطية
(ليست الفضيلة المفترضة للحاكمين هي التي تحمي الشعب)
لا تختفي الديمقراطية عندما يُعلق
الدستور.
بل تختفي عندما تغادر قرارات الحاكمين نور القانون لتفرض نفسها في الظل.
تختفي عندما لا تعود الإجراءات تحتوي على المستوي المطلوب من ضبط السلطة.
عندما لا تستطيع المؤسسات كشف الحقائق القابلة و الضرورية للتحقق.
باختصار، عندما يتوقف الحكم عن التعرض للنورو الشفافية، ويصبح يستجيب لنفسه فقط.
لقد أثبت التاريخ الأوروبي هذا بوضوح لا يلين.
فالدول لم تُهدم بسبب غياب القوانين، بل بسبب تعطيلها.
وقد دُمّرت الدول عندما توقفت الإجراءات الدستورية القانونية عن كونها حماية، لتصبح شكلاً بلا أثر.
عندما حلّت إرادة السلطة محل قاعدة القانون.
لكن هذه الأمم نفسها نهضت مجددًا.
ليس بالنسيان،
وليس بالقوة.
بل نهضت عندما أعادت سيادة القانون على إرادة الحكام،
وعندما أعادت بناء مؤسسات قادرة على كشف السلطة للنور،
بعد أن عاشوا الخوف والانقسام والأسوار.
وقد أرسوا بذلك حقيقة أساسية:
ليست الفضيلة المفترضة للحاكمين هي التي تحمي الشعب.
بل الآليات العملية التي تحد من سلطة هؤلاء الحاكمين.
الإجراءات التي تمنع التعسف.
المؤسسات التي تجعل القرارات مرئية، قابلة للتحقق، وقابلة للطعن.
ومن هذه الحقيقة أتحدث إليكم اليوم.
أنا قادم من موريتانيا،
بلد يظل ظل العبودية وامتيازات الولادة و اللون و العرق يلقي بآثاره على ملايين الأرواح البشرية. بلد ثرواته الطبيعية المعدنية و السمكية ووفرة الأراضي فيه و الماء و الشمس فريسة تستأثر بها عصابات الرشوة و سرقة المال العام و تبييضه و تبديد الثروة العمومية و هدرها.
و لعقدين من الزمن من خلال مبادرة إنبعاث الحركة الإنعتاقية(إيرا) و نحن نكافح بوسائل سلمية صارمة.
ليس للسيطرة على السلطة،
بل لإخضاع السلطة للقانون.
لقد عرفنا السجن،
والتعذيب،
والتشويه و الآن نوجد تحت التهديد بالقتل برعاية من النظام نفسه.
لكن هذه التجربة علمتنا القيمة الحقيقية للمؤسسات عندما تتوقف عن الحماية.
وقد علمتنا ثلاث حقائق بسيطة، تنطبق على كل دولة :
بدون سلامة الإجراءات ، لا يُضمن أي حق.
بدون أثر مكتوب، لا يمكن إثبات أي مسؤولية.
بدون رقابة مستقلة، لا يواجه أي سلطة حدًا حقيقيًا لتعسفها و انحرافها.
هذه ليست مبادئ مجردة،
بل هي الأسس غير المرئية التي تفصل دولة القانون عن سلطة بلا ضوابط.
فالفساد لا يبدأ بالنية،
بل يبدأ عندما يمكن أن توجد قرارات عامة دون أن تترك أثرًا.
عندما لا يمكن فحص فعل السلطة.
عندما يمكن للسلطة أن تعمل دون أن تُعرض للتحقق.
من هذه اللحظة، لا تختفي الديمقراطية فورًا،
بل تتحول.
تحتفظ بمؤسساتها، ومحاكمها، وانتخاباتها،
لكن وظيفتها تتغير.
تتوقف عن الحد من السلطة،
وتبدأ في إخفائها و حماية هفواتها و انحرافها.
ولهذا السبب، يتجاوز نضالنا حدود أي دولة.
ليس نضالًا ضد حكومة،
ولا نضالًا ضد نظام.
بل هو نضال من أجل قاعدة عالمية:
ألا يعمل الحكم أبدًا في الظل و الظلام.
أن يكون القانون حماية فعلية، وليس مجرد وعد.
أن تقوم السلطة على حقائق مثبتة، لا على تأكيدات غير قابلة للطعن.
في عصر الذكاء الاصطناعي، يصبح هذا المطلب أكثر حسمًا.
فالتكنولوجيا لا تخلق العدالة ولا الظلم،
بل تكبر و تعزز البنى القائمة بالفعل.
يمكن أن تعزز الشفافية،
أو توسع الظلامية.
والفرق لا يعتمد على التكنولوجيا نفسها،
بل على قدرة المؤسسات على فرض التتبع، والدليل، والحد من السلطة و مراقبتها.
فالديمقراطية لا تبدأ بالانتخابات، ولا بالخطاب،
بل تبدأ دائمًا من المكان نفسه:
حيث تقبل السلطة أن تُعرض للنور و الرقابة.
حيث تقبل السلطة أن تكون محل تحقيق و فحص.
حيث تقبل القوة أن تُحتوى بالإجراء.
بهذا الثمن، وفقط بهذا الثمن، تتوقف الديمقراطية عن كونها وعدًا،
وتصبح حقيقة.
حقيقة قادرة على حماية الشعوب،
ضمان العدالة،
والحكم على المدى الطويل.
شكرًا لكم.




.gif)
.jpg)


.jpg)
.jpeg)