مساحة إعلانية

     

  

    

  

الفيس بوك

الدكتور لو غورمو يطالب بالحفاظ على خط الحوار

بعد تسليم منسّق الحوار آخر نسخة من خارطة الطريق إلى الأقطاب السياسية المشاركة، إيذانًا بانطلاق المسار، نشهد تصاعدًا في قوة القوى السياسية المعادية — لأسباب مختلفة — لتحقيق هذا التطلع العميق لدى الشعب الموريتاني.

وقد تحولت هذه الدفعة، خلال الأيام الأخيرة، إلى موجة حقيقية من عدم الثقة، تقودها حالة تقاطع موضوعي بين أحزاب وحركات تنتمي إلى آفاق إيديولوجية وسياسية متباينة جدًا، تحرّكها بلا شك نوايا مختلفة، لكنها باتت اليوم متحدة حول شعار واحد: «لا حوار، لا إصلاحات!».

وفي هذه الحملة، تتصدر القوى المناهضة للوحدة الوطنية وللتسوية المسؤولة للقضايا التي تفرّق الأمة المشهد، ولا سيما من خلال توظيفها لمواضيع حساسة، مثل ترسيم اللغات، ومحاربة التمييز، وملف الإرث الإنساني، عبر اللعب على المخاوف وإتقان فن الإنكار والأكاذيب والتلاعب بالرأي العام.

وتقوم التكتيكات المفضلة لدى هذه القوى، في مرحلة أولى، على تشويه فكرة الحوار ذاتها بكل الوسائل.

وتتمحور هذه العملية التشويهية حول ثلاثة محاور.

المحور الأول يتمثل في الطعن في مصداقية الدعوة إلى الحوار، بالقول إنها لا يمكن أن تكون مقبولة ما دامت صادرة عن رئيس للجمهورية اختاروا أن يجعلوه موضع لعناتهم. وهذه الوضعية هي على وجه الخصوص موقف أبرز أنصار الرئيس السابق وحلفائهم، الذين تقوم خطتهم السياسية على الرفض المنهجي لأي مبادرة من شأنها تهدئة المناخ الوطني.

أما المحور الثاني، وهو أكثر مكرًا، فيسعى إلى تسميم النقاش عبر تحويل مقصود ومدروس: وضع موضوع يعلمون أنه متفجر وغير مقبول في صدارة المشهد، وهو موضوع لم يُطرح بجدية في النقاش من طرف أحد — باستثنائهم هم — ألا وهو فرضية مراجعة دستورية تهدف إلى فتح الطريق أمام مأمورية ثالثة لرئيس الدولة.

أما المحور الثالث، وهو لا يقل خطورة، فيقوم على الإيحاء — بل وعلى الترديد بإصرار — بمخاطر الانزلاق وأزمة الهوية المزعومة الملازمة لأي نقاش يتعلق بمسألتين أساسيتين: من جهة، ضرورة ترسيم اللغات الوطنية الزنجية الإفريقية بشكل واثق وموحد وهادئ؛ ومن جهة أخرى، البحث عن حل توافقي ونهائي، بات اليوم في متناول اليد، لملف الإرث الإنساني.

وهذا المحور هو في الواقع جوهري في استراتيجية التخريب. فهو يهدف إلى إعادة زرع الخوف، وإلى الإيهام بأن مجرد تناول هذه المواضيع يشكل في حد ذاته تهديدًا للوحدة الوطنية، في حين أن إبقاءها عمدًا في خانة المحرمات هو بالذات ما يغذي، منذ عقود، الإحباطات وسوء الفهم والتصدعات.

والأخطر من ذلك أن هذه العملية باتت تترافق اليوم مع تصعيد لفظي غير مقبول: إذ لم يعد بعضهم يتردد في مخاطبة رئيس الجمهورية بنبرة إنذارية، وإطلاق تهديدات مبطنة بحقه، لأنه تجرأ على تفكيك هذه المواضيع التي جرى جعلها ظلمًا من المحرمات، ولأنه اختار إدراجها أخيرًا ضمن المجال الطبيعي للنقاش الوطني.

ويجب أن يقال ذلك بوضوح: لم يعد الأمر هنا مجرد خلاف سياسي تقليدي، ولا حتى نقدًا مشروعًا. بل هو محاولة ترهيب، وإرادة متعمدة لدفع الدولة إلى التراجع وفرض قانون الصمت، بالضغط والخوف، حول ملفات تمس العدالة والكرامة والوحدة الوطنية.

إن هذه التهديدات، مهما كانت أشكالها، غير مقبولة وخطيرة. فهي تشكل تعريضًا لمناخ الاستقرار للخطر، ودعوة ضمنية إلى مواجهة من النوع الفوضوي. كما تكشف، قبل كل شيء، عن استراتيجية واضحة: أخذ التماسك الوطني رهينة عبر الإيهام بأن أي نقاش حول الوحدة الوطنية، أو اللغات الوطنية، أو مكافحة التمييز، أو ملف الإرث الإنساني، سيؤدي ميكانيكيًا إلى الفوضى — بل وقد يبرر انقلابًا بالقوة.

غير أن الحقيقة هي عكس ذلك تمامًا: ليس النقاش هو الذي يهدد الوحدة، بل المحرمات؛ وليس البحث عن الحلول هو الذي يضعف الأمة، بل تغذية الإحباطات بشكل منظم؛ وليس الكلمة المسؤولة هي التي تفرق، بل التلاعب وتوظيف المخاوف.

وأمام هذه الاستراتيجية التخريبية والترهيبية، يصبح من الضروري إعادة التأكيد على حقيقة بديهية: إن الحوار الوطني ليس تنازلًا يُقدَّم لهذا الطرف أو ذاك، ولا مناورة سياسية، بل هو ضرورة جمهورية، ومطلب لاستقرار دائم، وشرط للتقدم الاقتصادي والاجتماعي.

إن القضايا المتعلقة باللغات الوطنية، ومكافحة التمييز، وملف الإرث الإنساني، لا ينبغي أن تُعامل بعد اليوم كمواضيع ممنوعة أو كذرائع للمزايدة. بل يجب تناولها بمسؤولية، ضمن إطار هادئ ومؤسساتي ومحترم، من أجل التوصل إلى حلول عادلة وتوافقية ونهائية.

ولا بد من الاعتراف بأن رئيس الجمهورية يبدو واضحًا أنه يعمل على ذلك، كما ظهر خصوصًا خلال تنقلاته الأخيرة داخل البلاد. وهذا ما يزعج الأوساط الظلامية المعادية للإصلاحات والوحدة الوطنية، وللتقدم الاجتماعي وللتنمية الاقتصادية الحقيقية الشاملة.

ولا يمكن لأي فاعل سياسي أن يدعي حب هذا الوطن وهو يسعى إلى منعه من أن يتحاور، وأن يتصالح مع نفسه، وأن يحل أخيرًا — بالوسائل السلمية والديمقراطية — ما لا يزال يقسم ضميره الوطني.

وعليه، فإن الواجب يقع على عاتق جميع القوى الوطنية، مهما كانت حساسياتها أو انتماءاتها أو ماضيها، أن ترفض منطق التعطيل، وأن تعزل المخربين، وأن تدافع دون ضعف عن مبدأ الحوار نفسه، الذي يظل اليوم الطريق الأكثر أمانًا نحو الوحدة الوطنية والعدالة والاستقرار.

إن الحوار الوطني ليس خيارًا: إنه ضرورة حيوية. يكفي أن ننظر إلى أنفسنا وأن نراقب ما يجري حولنا وفي بقية العالم. لم تعد موريتانيا قادرة على تحمل ترف المحرمات والخوف والتعطيل المنظم. إن الذين يرفضون الحوار لا يدافعون عن الوطن: إنهم يدافعون عن مصالحهم وحساباتهم وأحقادهم. لقد حان وقت الاختيار: الانقسام أو الوحدة، الصمت أو الحقيقة، التعطيل أو الجمهورية.

غورمو لو، 19 فبراير 2026

خميس, 19/02/2026 - 13:41