
نظمت مراكز بحوث وطنية ندوة حوارية حول موضوع يهم حاضر البلد ومستقبله ، حضرها جمع غفير من الموريتانيين من مختلف الجهات ومختلف الأجيال ...ليس من بين الحاضرين من حمل سلاحا يوما ضد وطنه وليس من بينهم من لا يجد نفسه في الدولة الوطنية وليس منهم من شوَّه ولا شارك في تشويه سمعة وطنه.
كثير من هؤلاء الذين حضروا مات لهم أعزاء في سجون الأنظمة الحاكمة السابقة ومنهم كثيرون تم شيُّ أجسامهم ذنبهم الوحيد أنهم لا يروقون للنظام الحاكم ، لم توجه لأي منهم تهمة التآمر ولا الشروع فيه ولم يتلبس أي منهم بجرم وإنما تكيف النيابة تهمتها المعهودة لمن تريد السلطة اعتقاله فتقول إنه منتسب ل"جمعية أشرار"....
من هؤلاء المئات من خيرة ضباط وضباط صف وجنود الجيش الوطني، قطعت الأنظمة أرزاقهم ورمت بعائلاتهم وبَنيهم في مهب الريح فما ماتوا ليستريحوا ولكنهم يموتون كل يوم ويتعذبون كل يوم وهم يعجزون عن تلبية حاجات أبنائهم في العيش الكريم والتعليم السليم والصحة......قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق.
من بين الحاضرين من حاول الإنقلاب على السلطة ولما فشل ذاق مر العذاب وكل صنوف الإهانة والتنكيل وتم فصله ورميه على قارعة الطريق.....
ومن بين من حضر ساسة من كل العهود ومسؤولون حكوميون سابقون كثيرهم يعرف تفاصيل كل الذي جرى في العهود الاستثنائية......لكن كل هذه المظالم على بشاعتها تم تسجيلها ضد أنظمة حكم ولم تشكُ قبيلة باستهداف مقصود من قبيلة الرئيس ولم تشكُ جهة استهدافا دبرته الجهة التي ينتمي إليها رأس النظام ولم يشكُ فصيل سياسي من الجلادين والقتلة .....حين كتب الأستاذ الكبير عبد الله محمدو عن "ملائكة العذاب" الذين تعاقبوا عليه وعلى رفاقه يسومونهم أقسى العذابات قساوة ، لم يذكر شخصا باسمه ولم يذكر جهة ولا جماعة سياسية ولا قومية ولما استضافته منصة إعلامية وأصرت على سبق في الموضوع أصر من جانبه أن لا يذكر أحدا باسمه ولا بصفته......فنكء الجراح قد يؤدي لجراح أكثر ايلاما وأغور...
تعرضت مبادرة المراكز الأربعة لشكيك كبير وحملة منظمة من قبل سياسيين يعرفون جيدا أن حوارا من دون أسباب مقنعة وتحضير دقيق وأهداف مرسومة واضحة المعالم إنما هو مضيعة للوقت لكنهم يصرون على تنظيمه ولا يصبرون أن آخرين يرون فيه غير الذي يستهوي من يتحمس إليه...
لماذا تحفظ البعض على الحوار ؟ ولماذا طالب البعض الآخر بالتمهل والتحضير الجيد له ؟ وما الذي جعل آخرين يتحمسون له دون حساب ؟
يتحفظ على الحوار من لا يرى له سببا وجيها والمطالبة بأي أمر لا سبب له قد تثير شكوك البعض ومن لم يشكك فيها لن يراها أمرا مستعجلا على الأقل ؟
يتحفظ البعض عليه لأنه لا سابق له في دول مستقرة سياسيا وأعني بالاستقرار السياسي، انتخابات رئاسية وتناوبا سلميا على السلطة وانتخابات برلمانية وجهوية وبلدية لم يشكك فيها أحد وحرية صحافة وحرية تعبير.....ليست التعددية القومية موجبا لحوارات تتجاوز المؤسسات الديمقراطية المنتخبة بإرادة الشعب..
السنغال المجاور فيه معارضة قوية وتعرضت السلطة للمتظاهرين ومات منهم العشرات ومن رجال الأمن ولم يستدع ذلك حوارا.......
السنغال أكثر تعددية قومية من بلادنا وله لغة رسمية واحدة هي الفرنسية لغة التوثيق والتداول الرسمي ولا يوفر خدمة الترجمة داخل البرلمان إلا من الولفية وإليها وجميع السنغاليين يقبلون بذلك ....
يشهد هذا البلد تمردا مسلحا منذ 1982 في إقليم "كازمانس" يخبو ويشتد على وقع تقلبات مؤشر توتر المناخ الاقليمي ولم يطالب أحد بحوار بل كل مجهودات رأب الصدع تقوم بها الحكومة كطرف يمثل الدولة السنغابية مع ممثلين عن المتمردين......
يتحفظ البعض على الحوار من حيث الشحن الذي يرافق الاستعدادات له فكلما انفتحت السلطة على الطيف السياسي كلما تصاعدت حدة الأقوال والأفعال التي تستهدف الدولة والسكينة المجتمعية....ثم يتحفظ عليه من حيث هو حوار مفتوح يحضره من لا يملك من عنوان سياسي غير وصل إيداع لحزب أو نقابة أو هيئة مجتمع مدني ويحضره من فشل في الحصول على مستشار بلدي واحد في عموم التراب الوطني حين استنطق الشعب على نفسه في آخر انتخابات.
يتحفظ عليه من لا يفهم أن يضطلع هؤلاء بدور أقوى من البرلمان والمجالس المنتخبة في رسم حاضر ومستقبل البلد ويتحفظ عليه من لا يفهم أن يكون هؤلاء الأشخاص مقابلا وندا لسلطة تنفيذية منتخبة لم يشكك أحد في شرعية انتخابها !!!!!
يتحفظ عليه من لا يقبل الحديث عن إعادة "ألاك" ومن لا يقبل بعبثية المطالبة أن يكون للبلد عدة لغات رسمية وأن تكون لغة غالبية المجتمع ولغة القرآن بنفس المنزلة مع البولارية التي هي لهجة من لهجات الفولبه.....واللغة تقوى بقوة قومها والعربية اليوم ضعيفة ولكنها ذاكرة لما يقارب مليارين من المسلمين لخمسة عشر قرنا وراكمت من العلوم والمعارف يوم كانت الأرض تتكلم بالعربي ما لم تراكمه أية لغة أخرى في العالم.......وهي لغة رسمية لأعلى محفل دولي
يتحفظ على الحوار من يرى أن المطالبة بتعدد اللغات الرسمية ليس إلا مقدمة للمطالبة بتعدد عواصم البلد ثم تعدد القوانين المحلية والرئاسات الجهوية ثم الانفصال......
في المقابل يستعجل الحوار من لم يقبل يوما بالدولة الوطنية ويرى في الحوار مناسبة لتحيين مطلبه في "إعادة التأسيس" والرجوع لما قبل "ألاك" ويستعجله من يسعى أن ينقل مآسي ما حصل في التسعينات من دائرة العلاقة بين السلطة ومعارضيها إلى جرم قامت به مجموعة وطنية ضد أخرى فيزرع بذور كراهية عابرة للأجيال لا يكون من الممكن بعدها غير الانفصال أو ماهو أسوأ !!!!
يستعجل الحوار من يجد في المشاركة فيه تعويضا عن الفشل في نيل ثقة الناخبين فيكون له طوق نجاة للاستمرار بالتداول في الشأن السياسي.
يستعجل الحوار من يرى في مجرد حصوله شكلا من أشكال التشكيك في مصداقية الانتخابات ومخرجاتها ويستعجله من يريده فرصة لتحيين مواقفه الرافضة للدولة الوطنية فكل خطوة مهما كانت بسيطة هي في حد ذاتها إعادة رسملة مشروع الستينات...
يستعجل الحوار من يحتضن المهاجرين ويقف ضد الإجراءات التي تقوم بها السلطة لتنظيم دخولهم وإقامتهم ومن يعلمهم اللهجات المحلية ليندمجوا في النسيج المجتمعي ويستعجله أيضا من صمت صمت القبور حين تعرضت مجموعة آمنة من "لحراطين" لاعتداء عناصر "افلامية" عبرت الحدود من السنغال العام الماضي.....فالذي يدفع بالبعض أن يستعجله هو بالضبط ما يدفع الآخر للتحفظ عليه....
المراكز الأربعة وفرت فرصة للحوار بين من يخشى الحوار ومن يتحفظ عليه ومن يستعجله وكان حريا بالذين كتبوا عن هذه الندوة أن يشاركوا فيها ويعرضوا ما لديهم من أفكار فيُقنِعون أو يُقنَعون......
واجبنا جميعا أن يقبل بعضنا ببعض وأن نقبل كلنا بالدولة وأن نطالبها بانصاف الجميع وأن نبعد المظالم عن التسييس فالسياسة متغيرة باستمرار والسياسيون لا يستقرون على حال والجرح لا يحس به أحد قدر ما يحس به صاحبه ويبقى غائرا ما لم يُجبر وعلى الدولة جبر كل المظالم مع الضحايا أنفسهم أو مع ورثة من مات منهم ولا تقبل وسيطا في الموضوع...


.gif)
.jpg)


.jpg)
.jpeg)