مساحة إعلانية

     

  

    

  

الفيس بوك

جنرال منقاعد يكتب: "عندما تسعى السلطة إلى التستر على انهيار الدولة"

كتب الحنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف: "عندما تسعى السلطة إلى التستر على انهيار الدولة 

إنّ الوضع الذي يمرّ به بلدنا لم يعد يُختزل في اختلالات ظرفية أو أخطاء عابرة، بل هو نتيجة مباشرة لسوء حوكمة بنيوي متجذّر، طال مختلف مفاصل الدولة وأثّر بعمق في حياة المواطنين. فقد تحوّل الفساد، بدل أن يكون ظاهرة تُحارَب، إلى أسلوب في التسيير، وقاعدة غير معلنة، بل شرطًا ضمنيًا لتقلّد المسؤوليات. أمّا التبذير وسوء التصرف في المال العام، فقد استشريا في جميع القطاعات دون استثناء: الإدارة، الاقتصاد، المرافق العمومية، وحتى المنظومة الأمنية، إلى حدّ أفرغ الدولة من مضمونها وقوّض مصداقيتها.

وتتفاقم هذه الأزمة الداخلية في ظل وضع أمني مقلق على الحدود الشرقية والجنوبية، حيث تتداخل عوامل عدم الاستقرار والتهديدات العابرة للحدود مع غياب رؤية استراتيجية واضحة ومتكاملة. هذه الهشاشة الأمنية لا تمثل خطرًا عسكريًا أو جيوسياسيًا فحسب، بل تعكس في جوهرها ضعف الدولة وعجزها عن بسط سيادتها الكاملة وضمان أمن مواطنيها وحماية ترابها الوطني.

إلى ذلك، تبرز قضية الصحراء كأحد أبرز الملفات المصيرية، في وقت يبدو أن حلاً ما آخذ في التبلور. ومهما كانت طبيعة هذا الحل، فإن انعكاساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ستكون عميقة وطويلة الأمد. غير أنّ السلطة، بدل أن تهيّئ الرأي العام وتفتح نقاشًا وطنيًا شفافًا ومسؤولًا، تواصل انتهاج سياسة الغموض والتكتم، ما يغذّي القلق ويعمّق الانقسامات.

وفي خضمّ هذه الأزمات المتراكمة، بلغت هشاشة العيش اليومي مستويات غير مسبوقة. بطالة، غلاء معيشة، تدهور الخدمات الأساسية، وتآكل القدرة الشرائية… واقع جعل شريحة واسعة من المواطنين تخوض معركة يومية من أجل البقاء. الدولة، التي يُفترض أن تكون ضامنة للعدالة الاجتماعية والصالح العام، باتت شبه غائبة عن القطاعات الحيوية: الصحة، التعليم، السكن، والحماية الاجتماعية. وهذا الغياب لا يُفهم كعجز تقني فحسب، بل يُنظر إليه باعتباره تخليًا صريحًا عن المسؤولية واستخفافًا بمعاناة الشعب.

وفي هذا السياق المأزوم، تعود السلطة اليوم لتدعو إلى «حوار وطني». غير أن السؤال الجوهري هو: أيّ حوار هذا؟ فكل المؤشرات توحي بأنه ليس حوارًا جادًا ولا تعبيرًا عن إرادة حقيقية للإصلاح، بل يبدو أقرب إلى مناورة سياسية تهدف إلى صرف أنظار النخبة السياسية والرأي العام عن القضايا الجوهرية، وكسب الوقت، وإعطاء انطباع زائف بالانفتاح.

بل إن هذا الحوار، المفتقر إلى الضمانات، وإلى أهداف واضحة، وإلى إرادة سياسية صادقة، لا يهدد بالفشل فحسب، بل قد يؤدي إلى تعميق الخلافات داخل الطبقة السياسية نفسها، وتوسيع هوة الانقسام، وإضعاف أي معارضة بنّاءة. والأسوأ من ذلك، أنه قد يُستعمل كغطاء لمزيد من الإقصاء، بل وحتى لملاحقة الأصوات الناقدة، في حين تبقى مراكز القرار الحقيقية بمنأى عن أي مساءلة.

وعليه، فإن هذا الحوار، بدل أن يشكّل مخرجًا للأزمة الشاملة التي تعيشها البلاد، يندرج ضمن منطق الإدارة السلطوية للأزمة: خطاب بلا تغيير، تشاور شكلي لإقصاء فعلي، واستدعاء للاستقرار لتبرير الظلم والتضييق.

إن الإشكال اليوم لا يكمن في مبدأ الحوار ذاته، فهو ضرورة لا خلاف حولها، بل في طبيعة هذا الحوار، وأطرافه، ومرجعياته، والأهداف التي يخدمها. فدون قطيعة حقيقية مع الفساد، ودون إعادة بناء مؤسسات الدولة، ودون احترام الحريات، ودون إنصات صادق لمعاناة المواطنين، سيظل كل نداء للحوار مجرّد ستار دخان يخفي فشل منظومة بلغت نهايتها التاريخية.

خميس, 26/02/2026 - 01:19