
تحل بالدبلوماسيين في وزارة الخارجية الموريتانية لعنة حقيقية؛ إذ يتم تعيين السفراء خارج السلك الدبلوماسي، من صحفيين وشعراء ومهندسين وأطباء وحتى من لا صلة لهم بالمجال، بينما يبقى أهل الاختصاص في انتظار دائم، على خلاف ما تقتضيه طبيعة التدرج والترقية في الوظائف، ومخالفة لأبسط قواعد الجدارة التي تبنى عليها الإدارة الحديثة.
هل يعقل أن نقول لضابط من الضباط: "ابق في مكانك لايمكن أن تترقى وسيعين عليك مدني يقودك لا علاقة له بالمجال" ثم يطلب منك الصمت بحجة أن هذه سلطة تقديرية للجهات العليا تفعل فيها ما تشاء؟
وهل نقبل الأمر نفسه لأستاذ جامعي، فنغلق أمامه الأمل، ويعين عميد الكلية أو رئيس الجامعة من أي مكان وأي تخصص خارج أساتذة الجامعة، ثم نقول له: "اسكت، فهذه سلطة تقديرية"؟ وقس على ذلك سائر القطاعات.
إساءة فهم السلطة التقديرية والانحراف بالقانون
إن السلطة التقديرية حق يراد به باطل حين تستعمل لإقصاء أهل الكفاءة، وفي الفقه الإداري المقارن والقضاء الإداري المستقر (كما هو الحال في قضاء مجلس الدولة الفرنسي والمصري) لا توجد سلطة تقديرية مطلقة؛ بل هي دائما مقيدة بمبدأ "تخصيص الأهداف" ومصلحة المرفق العام، ولا أحد ينكر أن الوظائف السامية تدخل ضمن صلاحيات الجهات العليا، لكن خوفا من عيب "الانحراف بالسلطة" قيدت الديمقراطيات الحديثة هذه الصلاحيات بضوابط ومعايير صارمة.
وقد قرر فلاسفة السياسة والقانون أن "السلطة توقف السلطة" وأن "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة". فالتعيين في الوظائف السامية، وخصوصا تمثيل الدولة في الخارج، ليس تصرفا يعلو على المساءلة، بل هو اختيار ومفاضلة يجب أن تخضع لقواعد الكفاءة والتدرج الوظيفي.
تجارب وأعراف دولية: الدبلوماسية كمهنة سيادية مغلقة
إذا نظرنا إلى الدول التي تحترم مؤسساتها، نجد أن التعيين في منصب السفير يخضع لقوانين صارمة تحمي السلك الدبلوماسي من الدخلاء:
البرازيل (مدرسة ريو برانكو): يعد معهد "ريو برانكو" البوابة الوحيدة للدبلوماسية البرازيلية. وبقوة القانون والأعراف، يكاد يكون من المستحيل تعيين سفير برازيلي من خارج خريجي هذا المعهد الذين تدرجوا في السلك لسنوات طويلة، وهذا النظام جعل الدبلوماسية البرازيلية من أقوى وأنجح الدبلوماسيات في العالم.
فرنسا: تعتمد فرنسا على نظام صارم حيث يتولى خريجو المعهد الوطني للخدمة العامة (الذي حل محل المدرسة الوطنية للإدارة سابقا) المناصب الدبلوماسية، ورغم وجود نسبة ضئيلة جدا لتعيينات خاصة، إلا أن العرف والقانون الإداري الفرنسي يفرضان أن تكون الأغلبية الساحقة والمطلقة للسفراء من أبناء وزارة الخارجية المتدرجين في السلك.
الولايات المتحدة (قانون الخدمة الخارجية): رغم أن النظام الأمريكي يسمح للرئيس بتعيين سفراء من خارج السلك، إلا أن "قانون الخدمة الخارجية لعام 1980" في القسم (304) منه، ينص صراحة على وجوب أن تكون المناصب كرؤساء بعثات مخصصة بشكل أساسي وطبيعي لأعضاء السلك الدبلوماسي المهنيين، ويشترط القانون أن يمتلك المرشح المعرفة والفهم الكافي للغة والثقافة، والتجربة الدبلوماسية. وكثيرا ما يرفض الكونغرس تعيينات لعدم استيفاء هذه الشروط.
مصر: رسخ قانون السلك الدبلوماسي والقنصلي المصري مبدأ التدرج الحتمي، فلا يصل الدبلوماسي لدرجة سفير إلا بعد المرور بسلسلة من الامتحانات الدقيقة، والعمل كملحق، فسكرتير ثالث، وثان، وأول، ومستشار، ووزير مفوض، مما يضمن أن السفير هو حصيلة عقود من الخبرة المتراكمة.
الجزائر: يفرض قانون السلك الدبلوماسي الجزائري أن تكون نسبة 90% من السفراء تنتمي للسلك الدبلوماسي و10% فقط تخضع لاعتبارات أخرى مع مراعاة اقتراحها من وزير الخارجية.
السنغال: يتعين وفق القانون والممارسة في السفراء أن يكونوا مستشاري شؤون خارجية وفي القناصل العامين أن يكونوا كتاب شؤون خارجية.
الرد على حجة رسم السياسة الخارجية
من ناحية أخرى، درج بعض مستشاري القصر على التبرير بتفسير المادة الدستورية التي تنص على أن رئيس الجمهورية "يرسم السياسة الخارجية والدفاعية للبلد"، على أن ذلك يعني إطلاق اليد في جميع تفاصيل الشؤون الخارجية وفي التعيينات الفردية.
وهذا التفسير يتعارض مع أبجديات القانون الدستوري؛ فرسم السياسة الخارجية يتعلق بالملامح العامة، والتوجهات الكبرى، وعقد المعاهدات، لا بتجاوز الأعراف الدبلوماسية المستقرة وعدم الاهتمام بالمسارات المهنية للموظفين. وتنفيذ هذه السياسة يتطلب أدوات محترفة (دبلوماسيين متمرسين)، تماما كما أن رسم السياسة الدفاعية لا يمنح الجهات العليا حق تعيين طبيب قائدا لفرقة عسكرية!
إحراج الدولة في المحافل الدولية
إن العمل الدبلوماسي لايعني الوجاهة أو المكافأة أو الترضية، بل هو فن التفاوض، وصياغة المعاهدات، وفهم البروتوكول، وإدارة الأزمات، وقراءة القوانين الدولية. وكم يجد بعض سفرائنا حرجا بالغا حين يسألهم نظراؤهم: في كم بعثة عملت كاتبا أول؟ وفي كم بعثة عملت مستشارا؟ وأي الملفات الحساسة أدرت في وزارة الخارجية؟ فيجيب أحدهم بكل بساطة: أنا مهندس مياه، أو كنت وزيرا للتنمية الحيوانية، مما يضرب صورة الدولة وعمقها المؤسسي في الصميم، وحين تنظرون في أغلب سفرائنا اليوم تجدونهم لم يدخلوا باب وزارة الخارجية ولايعرفون ملفاتها ولا عملها ولا العاملين فيها، بل إنهم يمارسون نوعا من العلوية الواهمة حتى على وزير الخارجية الذي يتجاوزونه ولا يأتمرون بأمره في كثير من الأحيان.
احترام التخصص، وصون المسار المهني الدبلوماسي، وربط المسؤولية بالكفاءة والمراس، ليست ترفا إداريا، بل هي شرط جوهري لبناء دولة مؤسسات حقيقية؛ إنها الضمانة الوحيدة لحفظ هيبة تمثيل الدولة الموريتانية ومصالحها في الخارج، وصون كرامة موظفيها وكفاءاتها في الداخل.


.gif)
.jpg)


.jpg)