مساحة إعلانية

     

  

    

  

الفيس بوك

جنرال متقاعد يكتب: قضية الصحراء الغربية والمسؤوليات الموريتانية

الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف

في الآونة الأخيرة، برزت بعض الأصوات التي تدّعي «موريتانية» مدينة لكويرة أو تدعو إلى التمسك بها ، وذلك في سياق النقاش الدائر حالياً حول مشروع منح الصحراء الغربية حكماً ذاتياً واسعاً داخل المملكة المغربية. غير أنّ هذه المواقف، وإن قُدّمت في ثوب وطني، تستوجب توضيحاً تاريخياً وسياسياً صارماً، لأنها تبدو بعيدة كل البعد عن الخيارات التي اتخذتها موريتانيا، طوعاً أو كرهاً، منذ أكثر من أربعة عقود.

ثمة حقيقة تاريخية أساسية لا بد من التذكير بها دون مواربة: الجزء من الصحراء الغربية الذي كان خاضعاً للإدارة الموريتانية تمّ التخلي عنه بقرار صادر عن سلطة استثنائية تفتقر إلى أي شرعية ديمقراطية. لم يكن هذا التنازل ثمرة استفتاء شعبي، ولا نتيجة نقاش برلماني، ولا حصيلة مشاورة وطنية. لقد كان فعلاً أحادياً لنظام عسكري تصرّف في مستقبل البلاد الإقليمي والاستراتيجي دون أي تفويض من الشعب.

في ذلك الوقت، كان أغلب الموريتانيين يعتبرون، ليس ذلك الجزء وحده، بل مجمل الصحراء الغربية، جزءاً لا يتجزأ من الفضاء الموريتاني، تاريخياً واجتماعياً وجغرافياً. وكان هذا التصور واسع الانتشار، ومتجذراً في واقع سابق على الاستعمار، واقع لم تفلح القسمة الاستعمارية الفرنسية من جهة، والإسبانية من جهة أخرى في محوه كلياً. وإذا لم تنل هذه الأقاليم استقلالها في الوقت نفسه، فذلك يعود تحديداً إلى اختلاف أنماط الاستعمار، لا إلى غياب الروابط أو انعدام الوعي المشترك.

القطيعة الحقيقية حصلت سنة 1979، حين وقّع نظام الحكم الاستثنائي في موريتانيا اتفاقاً مع جبهة البوليساريو، أقرّ بموجبه، طوعاً وبصفة رسمية، التخلي عن أي مطالبة إقليمية بالصحراء الغربية. شكّل هذا القرار منعطفاً حاسماً، إذ لم يقتصر الأمر على التخلي عن مطالبة تاريخية راسخة، بل رافقه فرض سردية سياسية جديدة، قُدّمت باعتبارها ضرورة للسلام والمصالحة، مع التعتيم المتعمّد على الطابع غير الشرعي جذرياً للقرار الأصلي.

الأكثر إثارة للقلق من القرار نفسه كان الصمت شبه العام الذي أعقبه. فلم تعترض عليه الجماهير، ولا النخب السياسية أو الفكرية أو العسكرية، اعتراضاً مستمراً أو منظّماً. بل إن عملية سياسية وإيديولوجية واسعة، مدعومة بدعاية هادئة لكنها فعّالة، نجحت تدريجياً في محو القضية الصحراوية من الوعي الوطني الموريتاني. وأضحى التخلي عن الأرض أمراً مسلّماً به، واقعاً مفروضاً نادراً ما يُساءل، وأندر منه أن يُراجع.

وفي عام 1984، ذهبت موريتانيا أبعد من ذلك، حين اعترفت رسمياً بأن الصحراء الغربية ليست أرضاً موريتانية. ومنذ ذلك الحين، حافظت جميع الأنظمة المتعاقبة على هذا الموقف، دون أن تواجه معارضة بنيوية أو تعبئة وطنية ذات شأن. وبذلك، فإن هذا الاستمرار في النهج السياسي يحمّل المجتمع ونخبه مسؤولية جماعية، إذ إن الصمت الطويل يرقى، بحكم الواقع، إلى مستوى القبول.

في ضوء هذا المسار التاريخي، تبدو المطالبات الراهنة فاقدة لأي انسجام سياسي. لماذا لم تُرفع هذه الأصوات سنة 1979، في لحظة التخلي الحاسمة؟ ولماذا لم تعترض على الاعتراف الرسمي سنة 1984؟ ولماذا يُطالب اليوم بمواقف تصادمية دون المطالبة الصريحة، الرسمية والجماعية، باستعادة السيادة الموريتانية على الأراضي المعنية؟

إن موريتانيا اليوم لا تملك مصلحة استراتيجية ولا ضرورة وطنية للدخول في أزمة مع جارها المغرب. فالحرب الجارية تتعلق بإقليم أعلنت موريتانيا منذ أكثر من أربعين سنة تخليها الصريح عن اعتباره جزءاً من سيادتها. والدعوة إلى المواجهة دون مراجعة هذا التخلي الجوهري لا تعبّر إلا عن ارتباك سياسي عميق، أو عن دوافع لا تمت بصلة إلى المصلحة الوطنية.

ولا يمكن اعتبار موقفين فقط منسجمين سياسياً. الأول يتمثل في تبنّي مطالبة إقليمية كاملة بالصحراء الغربية، أو على الأقل بالجزء الذي آلت إدارته إلى موريتانيا بعد اتفاق 1975، وذلك بإدراجه رسمياً في النقاش الوطني، وحمله عبر المؤسسات، والمنتخبين، وإرادة الشعب. أما الثاني وهو الذي ساد حتى الآن فيقوم على قبول أن الصحراء الغربية ليست أرضاً موريتانية، ورفض أي تورط سياسي أو عسكري أو مغامِر في نزاع لم يعد يندرج ضمن السيادة الوطنية.

أما كل موقف آخر قائم على الغموض، والخطاب المجتزأ، والاستثارة العاطفية، فإنه يشكل خطراً على استقرار البلاد. فهو يوظف ذاكرة تاريخية مؤلمة دون تحمّل تبعاتها السياسية، ويعرّض موريتانيا لأزمات لا حاجة لها بها ولا مصلحة لها فيها.

أحد, 01/03/2026 - 14:49