مساحة إعلانية

     

  

    

  

الفيس بوك

كيف حوّل ترامب أمن الخليج إلى ورقة في صراعه مع إيران؟/ بقلم: سلطان البان

يرتكز سلوك ترامب تجاه إيران والخليج على معادلة بسيطة وقاسية: أولوية المصلحة الأمريكية الداخلية، مع استعداد لتحويل أمن الخليج – وفي القلب منه السعودية – إلى ورقة ضغط ضمن صراع أوسع مع طهران، لا إلى غاية حماية بحد ذاتها. في هذا التصور، يُنظر إلى ضرب إيران باعتباره فرصة تاريخية لتصفية الحساب مع خصم إستراتيجي، حتى لو كان ثمنه المتوقع ضربات انتقامية على المنشآت النفطية والقواعد في دول الخليج، ما دام ذلك يقع ضمن “الهامش المقبول” من الخسائر التي لا تهدد مباشرة الداخل الأمريكي ولا تسقط الأنظمة الحليفة.

السعودية تحتل موقعًا مركزيًا في هذه الحسابات: هي ركيزة سوق الطاقة العالمي، وعمود نظام إقليمي موالٍ لواشنطن، لكنها في الوقت نفسه تعاني من اعتماد أمني عميق على المظلة الأمريكية، ما يمنح واشنطن هامشًا واسعًا لتطويع القرار السعودي وتحميل المملكة جزءًا من الكلفة الميدانية لأي مواجهة مع إيران. تجربة الهجمات السابقة على المنشآت النفطية السعودية أظهرت أن واشنطن قادرة على الاكتفاء بالرد السياسي والعقوبات بدل الانخراط في حرب شاملة، ما يكرس عمليًا قبولًا أمريكيًا بأن تتلقى الرياض ضربات محدودة ما دامت لا تعطل النظام ولا تصدم أسواق الطاقة على المدى الطويل.

في خلفية ذلك، تراهن الإدارة الأمريكية على أن إيران تتقن لعبة حافة الهاوية ولن تذهب إلى حرب انتحارية شاملة، وعلى أن الأنظمة الخليجية قادرة على امتصاص الضغوط دون الانقلاب على التحالف مع واشنطن. هذا يجعل الخليج أشبه بـ“منطقة امتصاص صدمات” بعيدة عن المجتمع الأمريكي، يتحمل جزءًا من الرد الإيراني بينما تحافظ الولايات المتحدة على موقع الطرف الذي يضبط الإيقاع ويحدد سقف التصعيد.

إستراتيجيًا، يفرض هذا الواقع على السعودية أن تقرأ التحالف مع أمريكا بوصفه مهمًّا لكنه غير كافٍ ولا مضمون في اللحظات الحرجة؛ تحالف يوفر حماية كبيرة، لكنه لا يمنع استخدام أمن المملكة كورقة تكتيكية في صراع أكبر مع إيران. من هنا تبرز حاجة الرياض إلى تعميق قدراتها الذاتية في الدفاع والردع، وتوسيع هوامش الاستقلال الإستراتيجي عبر تنويع الشراكات الدولية، وتثبيت معادلة واضحة تجعل أي تهديد جادّ لأمنها بمثابة تهديد مباشر للمصالح الحيوية للقوى الكبرى. بالتوازي، تبدو سياسة خفض التصعيد المدروس مع إيران، وعدم ترك زمام المبادرة كاملة لواشنطن وتل أبيب، خيارًا عقلانيًا يحول دون تحويل الأراضي السعودية إلى ساحة مواجهة مفتوحة يُدار إيقاعها في أماكن أخرى.

 

أربعاء, 04/03/2026 - 15:00