مساحة إعلانية

     

  

    

  

الفيس بوك

جنرال متقاعد يدون عن: "الاستقلال الاستراتيجي والإرادة الوطنية في ضوء التجربة الدولية المعاصرة"

كتب الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف: "إن تحليل المواجهة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية يتيح استخلاص مجموعة من المبادئ العامة التي تنطبق على كل دولة حريصة على صون سيادتها في نظام دولي يتسم بعدم تكافؤ القوى، وتقلب التحالفات، واستمرار حالة عدم اليقين في موازين القوة.

لقد أظهرت تجربة هذا الصراع أن أمن الدولة لا يمكن ضمانه بصورة دائمة من خلال الضمانات الخارجية وحدها، ولا عبر التوازنات الدبلوماسية الظرفية، ولا من خلال معادلات القوة المؤقتة، وإنما يعتمد قبل كل شيء على متانة قدراتها الذاتية، وعلى تماسك خياراتها الاستراتيجية، وعلى صلابة إرادتها الوطنية.

ويمكن تلخيص أهم الدروس المستفادة من هذه التجربة في المبادئ التالية:

1. إن الاستقلال الاستراتيجي هو الشرط الأول للاستقلال الحقيقي.

2. إن التقدم العلمي والتكنولوجي يحدد، في العالم المعاصر، المستوى الفعلي لقدرة الدولة على الدفاع.

3. إن التحالفات والشراكات تعزز القوة، لكنها لا يمكن أن تحل محل القدرات الوطنية الذاتية.

4. إن التماسك المعنوي، ووحدة الإرادة، والاستعداد للتضحية، تبقى عوامل حاسمة في مواجهة قوة متفوقة.

5. إن إدراك نقاط ضعف الخصم والقدرة على استغلالها يمثل مبدأ أساسياً في كل استراتيجية ناجحة.

وعلى الرغم من أن هذه المبادئ استُخلصت من دراسة حالة معينة، فإن نطاقها يتجاوز ذلك بكثير، ويكتسب أهمية خاصة بالنسبة للدول التي يعتمد أمنها على استقرار محيطها الإقليمي، وعلى قوة مؤسساتها، وعلى وضوح توجهها الاستراتيجي.

وفي هذا السياق، تكتسب حالة موريتانيا أهمية خاصة، نظراً لموقعها الجغرافي عند ملتقى المغرب العربي والساحل وغرب أفريقيا، وهو فضاء يتسم بتحديات أمنية متواصلة، وبوجود تهديدات عابرة للحدود، وباستمرار بؤر عدم الاستقرار، فضلاً عن التحولات السريعة في موازين القوى الإقليمية والدولية. وفي مثل هذا المحيط، لا يمكن لصون السيادة الوطنية أن يقوم حصراً على الضمانات الخارجية، ولا على الترتيبات الدبلوماسية، ولا على توازنات قد تتغير بتغير المصالح الدولية.

إن تجارب الصراعات المعاصرة تبين أن التحالفات، على الرغم من ضرورتها وفائدتها، تظل بطبيعتها خاضعة لتقلب المصالح، ولا يمكن الاعتماد عليها بديلاً عن الجهد الوطني المستمر في مجال الدفاع، والتكوين، والاستعداد، والتحكم في الوسائل التكنولوجية. فمصداقية سياسة الأمن لا تقوم إلا على قدرة الدولة على حماية أراضيها بنفسها، وعلى صون مؤسساتها، وعلى ضمان استمرارية قرارها السيادي.

وبالنسبة لموريتانيا، فإن هذه المتطلبات تقتضي مواصلة العمل على تعزيز القدرات الوطنية بصورة منهجية، سواء في المجال العسكري أو في المجال التقني والتنظيمي والبشري. كما تقتضي إيلاء عناية خاصة لتكوين الأطر، والتكيف مع أنماط الصراع الجديدة، وتطوير وسائل المراقبة والاستطلاع والاستخبارات، وتعزيز الصلة بين الأمة وقواتها المسلحة. ففي النزاعات الحديثة لا تتحقق الغلبة بكثرة الوسائل وحدها، بل بمدى انسجامها، وحسن استخدامها، وملاءمتها لطبيعة التهديدات الفعلية.

ولا يقل البعد المعنوي والوطني أهمية عن الجوانب المادية. فقد أثبتت التجارب أن قدرة الدول على الصمود ترتبط بدرجة اقتناع شعوبها بأن السيادة الوطنية، ووحدة التراب، واستقرار الدولة، تمثل قيماً أساسية تستحق الجهد والانضباط والتضحية عند الضرورة. إن أمة واعية بمصالحها الجوهرية، موحدة حول ثوابتها، تمتلك قوة ردع لا توفرها التكنولوجيا وحدها ولا التحالفات وحدها.

وأخيراً، فإن الواقعية الاستراتيجية تقتضي الإقرار بأن كل قوة، مهما بلغت درجة تفوقها، تظل لها نقاط ضعف. وإن القدرة على إدراك هذه النقاط، والاستعداد لمواجهتها، والتخطيط للتعامل معها، تمثل عنصراً أساسياً في أي سياسة دفاعية رشيدة، ولا سيما بالنسبة للدول المتوسطة أو المحدودة الإمكانات.

وفي عالم يتسم بتنافس القوى، وتسارع التطور التكنولوجي، وهشاشة التوازنات السياسية، فإن الدروس المستفادة من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تكتسب دلالة خاصة بالنسبة لموريتانيا في محيطها الإقليمي وفي علاقاتها الدولية.

ومن ثم تبرز حقيقة استراتيجية لا لبس فيها:

إن حرية الأمة، وأمنها، واستمرار سيادتها، إنما تعتمد قبل كل شيء على قدرتها على الدفاع عن نفسها بنفسها، وعلى كفاءة أبنائها، وعلى تماسك مجتمعها، وعلى قوة إرادتها الوطنية.

أحد, 08/03/2026 - 12:12