مساحة إعلانية

     

  

    

  

الفيس بوك

خطورة الشائعات والتضليل على الدول والاقتصاد....موريتانيا نموذجا/بقلم: خالد مولاي إدريس خبير دولي في الإعلام التنموي

في عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الشائعات والتضليل الإعلامي من أخطر التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات. فالمعلومة الخاطئة لم تعد مجرد خبر عابر، بل قد تتحول في لحظات إلى أداة تهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وتؤثر في ثقة المواطنين في مؤسسات دولتهم. وفي بلد مثل موريتانيا، الذي يسعى إلى ترسيخ الاستقرار وتعزيز التنمية، تصبح خطورة الشائعات مضاعفة لما قد تسببه من ارتباك في الرأي العام وتأثير مباشر على الاقتصاد.
أول ما تفعله الشائعة هو ضرب الثقة. فالدول الحديثة تقوم في جزء كبير من قوتها على الثقة بين المواطن والمؤسسات. وعندما تنتشر الأخبار الكاذبة أو المضللة حول الأوضاع الاقتصادية أو المالية أو الأمنية، فإنها تزرع الشك في نفوس المواطنين، وقد تدفعهم إلى اتخاذ قرارات متسرعة أو مبنية على الخوف، مثل سحب الأموال من المصارف، أو التهافت على بعض السلع، أو التشكيك في القرارات الحكومية.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن للشائعة أن تكون أخطر من الأزمة نفسها. فمجرد تداول أخبار غير دقيقة حول نقص المواد الغذائية أو الوقود مثلاً قد يؤدي إلى حالة من الهلع في السوق، ويدفع التجار والمواطنين إلى تخزين السلع، ما يخلق ندرة مصطنعة ويرفع الأسعار. كما أن انتشار أخبار مضللة حول الاستثمارات أو المشاريع الكبرى قد يضعف ثقة المستثمرين ويؤثر على مناخ الأعمال في البلاد.
وفي موريتانيا، حيث يشكل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي أحد أهم ركائز التنمية، فإن الشائعات قد تؤثر أيضاً على صورة البلاد خارجياً. فالمستثمر أو الشريك الدولي يتابع ما يقال في الفضاء الإعلامي والرقمي، وعندما يلاحظ انتشار أخبار سلبية أو غير دقيقة حول الأوضاع في البلد، فقد يتردد في اتخاذ قرارات استثمارية أو تعاون اقتصادي.
ولا يقتصر خطر التضليل على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى الجانب الاجتماعي والسياسي. فالشائعات قد تُستغل لإثارة الانقسامات أو تغذية خطاب الكراهية بين مكونات المجتمع، وهو أمر خطير في أي مجتمع متنوع مثل المجتمع الموريتاني الذي يقوم أساساً على التعايش والتكامل بين مكوناته الثقافية والعرقية.
من هنا تبرز مسؤولية الجميع في مواجهة هذه الظاهرة. فالمؤسسات الإعلامية مطالبة بتعزيز المهنية والتحقق من المعلومات قبل نشرها، كما أن الجهات الرسمية مطالبة بسرعة التواصل مع المواطنين وتوضيح الحقائق لقطع الطريق أمام الأخبار الزائفة. أما المواطن نفسه، فقد أصبح شريكاً أساسياً في المعركة ضد التضليل، عبر التحقق من المعلومات وعدم المساهمة في نشر الأخبار غير المؤكدة.
إن محاربة الشائعات ليست مهمة دولة فقط، بل هي مسؤولية مجتمع كامل. فالمعلومة الصحيحة هي أساس الاستقرار، والوعي الجماعي هو السلاح الأقوى في مواجهة التضليل. وكلما ارتفع مستوى الوعي لدى المواطنين، تراجعت قدرة الشائعات على التأثير، وتعززت ثقة المجتمع في دولته ومؤسساته.
وفي النهاية، فإن حماية موريتانيا من مخاطر الشائعات والتضليل الإعلامي لا تقل أهمية عن حماية حدودها أو اقتصادها، لأن المعركة في زمننا لم تعد فقط على الأرض، بل أصبحت أيضاً في فضاء المعلومات.

 

أربعاء, 11/03/2026 - 12:36