
لم يعد الوضع الداخلي باعثًا على الطمأنينة، بل أضحى مثقلاً بإشارات مقلقة تتراكم دون أفق واضح للانفراج؛ فغلاء المعيشة يشتد وطأة مع تزايد الضرائب، فيدفع بالناس نحو ضيقٍ خانق، تتسع فيه دوائر الجوع والخوف، وتتراجع فيه مساحات الأمل. وفي خضم هذا المشهد، يتعمد إقصاء قوى سياسية فاعلة من حوارٍ مرتقب، كان الأولى أن يكون جامعًا لا مُفرِّقًا، بينما تضيق دائرة المستفيدين من خيرات الدولة، وتُحتكر مجالات الطاقة والمعادن النفيسة في أيدٍ معدودة، قريبة من مركز القرار، بعيدة عن هموم الناس.
وأمام صورةٍ بهذا القدر من القتامة، لا يبدو من الحكمة ترك التحديات المتصاعدة على حدودنا الشرقية مع جمهورية مالي رهينة الإهمال أو أسيرة الصدفة؛ فهذه الحدود لم تكن يومًا مجرد خطوط جغرافية، بل كانت فضاءً رحبًا للحياة، ومجالًا خصبًا للتكامل والتواصل، ووعاءً لذاكرةٍ مشتركةٍ نسجت خيوط التعايش والتآخي والثقة بين السكان على مرّ العصور.
غير أن هذا الإرث الثمين يواجه اليوم غيابًا مقلقًا للحكمة والتدبير، بما يهدد أواصر القربى، ويُضعف روابط التاريخ، ويُوهن تماسك الجغرافيا. وإذا كانت حدودنا الشمالية تقف على تخوم صراعٍ دامٍ طال أمده بين أشقاء، فإن حدودنا الشرقية تحمل انعكاساتٍ أشمل، تمتد آثارها إلى كامل التراب الوطني، من أقصاه إلى أقصاه.
وهو ما يفرض، دون تردد، إرادةً وطنية صلبة، وجادة، وجريئة، لا تعرف المساومة في حماية الوطن، ولا تتهاون في صون العلاقات الثنائية التي أرست دعائمها وشائج الدين، وعمق التاريخ، ووحدة الجغرافيا، وروابط الأرحام.


.gif)
.jpg)


.jpg)