
قصيدة في مدخل الحمراء استنطاق شعري للتاريخ و الحضارة .
في مَدخَلِ الحمراءِ كانَ لقاؤنا
ما أطيبَ اللقيا بلا ميعادِ
عينانِ سودوانِ في حَجَريهما
تتوالدُ الأبعادُ من أبعادِ
تعد قصيدة مدخل الحمراء للشاعر السوري الراحل نزار قباني ملحمة وجدانية تاريخية عاطفية يكمن مغزاها في التحسر علي أمجاد العرب الضائعة في الأندلس .
و ألم خروج المسلمين منها .
تجسد لقاءا عفويا عابرا بلا ميعاد بامرأة اندلسية اسبانية غرناطة الميلاد.
تستحضر أمجادا مضي عليها أكثر من 780 عاما من الحضارة الإسلامية ،
القصيدة يمتزج فيها الغزل بوصف دمشقي للياسمين،
مستنطقا تاريخ أبناء زياد و زخارف قصر الحمراء التي تنبض بالحياة فيتحول التاريخ إلي جرح نازف و ذاكرة حية .
ألتقي نزار قباني بفتاة إسبانية سمراء عند مدخل قصر الحمراء في غرناطة دون ميعاد مسبق .
الفتاة التي وصفها الشاعر بحفيدة طارق ابن زياد ،
أثارت بملامحها العربية و أحاديثها عن أمجاد أجدادها ( قرطبة ، غرناطة ) شجون الشاعر .
كما استحضرت أيضا بمعالم شكلها وجه دمشق ،
مما جعل الشاعر يري وجه دمشق في عينيها و في طيب جنات العريف ، مستعيدا تاريخ الأمويين .
مؤكدا أن الهوية العربية حاضرة رغم ضياع المكان ،
خاصة في تفاصيل مثل في ( وجهك العربي ) .
بالإختصار جسدت القصيدة من حيث المضمون و المقصود مزيجا من الإعجاب بالحضارة العربية و الحزن علي ضياعها،
و الفخر الممزوج بالألم عند وداع الفتاة التي عانق فيها طارق ابن زياد.
ليتحول اللقاء العاطفي إلي مشهدية تاريخية ،
أختلطت فيها مشاعر الشاعر الشخصية بآلام الأمة.
بالمقابل أحدثت رائعة نزار قباني " في مدخل الحمراء " صدي واسعا و تأثيرا عميقا داخل مجتمع البيظان في موريتانيا و في أقصي تخوم الصحراء الكبري ،
حينما تغني بها الفنان الكبير و المقتدر سدوم ولد ايده ،
بصوت شجي و رخيم علي أنغام آردين الفنانة الكبيرة المرحومة ديمي بنت آب ،
و هي ترسل ايحاءات حملت معاني نفسية عميقة .
منحته القدرة علي التنقل بسلاسة بين الطبقات الصوتية و الإيقاع .
بحيث قدم القصيدة بإحساس عال و أداء إستثنائي شكل علامة فارقة في مسيرته الفنية ،
ملأ الأرض شوقا و طربا .
كما تميز الأداء أيضا بقدرة سدوم علي دمج الشعر العربي الفصيح مع الفن الموريتاني التقليدي ،
حيث نجح في تقديم القصيدة بأسلوب فني أصيل أضاف إليها طابعا محليا .
مما جعل كلمات القصيدة المغناة تتردد في المجالس و الوسائط الفنية محملة بعبق التاريخ العربي ،
و هو ما يلامس الهوية الثقافية الموريتانية .
كما حظيت قصيدة ' في مدخل الحمراء ' في قالبها الغنائي بإنتشار واسع نظرا لقوة الكلمات و عذرية الأداء في السياق الموريتاني .
حيث تعد مثالا بارزا علي تفاعل الفن الموريتاني مع القصيدة العربية الحديثة
و هو ما أظهر قدرة سدوم كأحد أبرز أركان الفن الموريتاني الملتزم علي نقل مشاعر القصيدة خاصة في المشاهد التي تصف الأندلس بصوت جوهري ،
يحمل دلالات الحنين و الشوق و الفخر .
في حين أعتبر أداء قصيدة في مدخل الحمراء من أجمل ماقدمه سدوم و يوثق قدرة الفنان الموريتاني علي التعامل مع عيون الشعر العربي ،
خاصة في تسجيلات مشتركة مع الفنانة الراحلة ديمي بنت آب رحمها الله .
حيث أشتهر الثنائي بغناء معظم قصائد نزار في الحب و الغرام مثل ( أيظن ) ( و متي ستعرف كم أهواك يارجل ) و غيرها ،
بأسلوب عاطفي نال شهرة واسعة لدي الأوساط الشعبية الموريتاتية داخل وخارج البلاد ،
لم تكن أغانيهما لقصائد نزار قباني مجرد تكرار بل كانت إعادة إحياء للنصوص بلمسة محلية موريتانية خاصة ،
مما جعلها ترسخ في الذاكرة الموسيقية الموريتانية،
تماما كما ترسخت ألحان محمد عبد الوهاب و أغاني ام كلثوم في العالم العربي .
بحيث نجح كل من سدوم و المرحومة ديمي في تحويل روائع شعر نزار قباني الخالدة إلي أغان شعبية تعيش فيها مع الكلمات و علي نحو تجعل المستمع يغوص في معانيها ،
مما أثبت قدرة الفن الموريتاني علي الإستيعاب و التفاعل مع الأدب العربي المعاصر ،
بما تمليه الذائقة الشعرية الوطنية و تفرضه طبيعة التطور الثقافي و الفني في بلد المليون شاعر .
طابت أوقاتكم



.gif)
.jpg)


.jpg)