
إن الصياغة التي يمنع بها الدستور أي إصلاح يمسّ الأحكام المتعلقة بمأمورية رئيس الجمهورية، سواء من حيث مدتها أو عددها، لا تترك مجالًا لأي شك. فمثل هذا التعديل مستحيل قانونًا. ومن ثمّ، فإن الفرضية الوحيدة التي يمكن أن تتجاوز هذا الحظر هي قيام رئيس الجمهورية القائم بانقلاب صريح ومباشر.
وفي هذه الظروف، يبدو من غير المجدي تمامًا رهن افتتاح الحوار السياسي باتفاق مسبق حول مسألة سبق أن حسمها الدستور. فاشتراط التزام بالتعديل أو بعدم التعديل بشأن أحكام هي، بحكم طبيعتها، غير قابلة للمراجعة دستوريًا، إنما هو وضع شرط بلا موضوع. ولا سيما أنه لا يرد في أي موضع من مشروع خارطة الطريق الموحّدة المقترحة من طرف منسق الحوار السيد موسى فال، أي ذكر مباشر وصريح لتعديل يتعلق بالمأمورية الرئاسية. وإنما وردت فيه مسألة "المأموريات" على أنها موضوع للنقاش في إطار محور الإصلاح الانتخابي. وقد طالبت المعارضة، بحق، برفع كل لبس في هذا الشأن، وأدرجت تحفظها بشأن الأحكام الدستورية غير القابلة للتعديل.
ويزداد هذا التحليل وجاهة بالنظر إلى أن رئيس الدولة المعني، المنخرط حاليًا في مأموريته الأخيرة، صرّح مؤخرًا جدًا، أمام ممثلي أحد أقطاب المعارضة، بأنه لا ينوي بأي حال الترشح لمأمورية ثالثة، ولا يرغب في الانخراط في هذا النقاش.
غير أن لا شيء يمنع الأطراف، متى اجتمعت، من تناول أي موضوع ترى من المفيد التطرق إليه، ما دامت تلك النقاشات لا تفضي إلى أي مساس بالمحظورات الدستورية الواضحة. ومن ثمّ، ينبغي أن يتحرر افتتاح الحوار من الشروط الزائفة المسبقة، حتى يتركز على الأساس: البحث عن حلول توافقية للتحديات الحقيقية التي يواجهها البلد. ولتحقيق ذلك، يجب التخلي، من الجانبين، عن كل إشارة تتعلق بالمأموريات، لأنها لا تفعل سوى تعطيل مسار الحوار دون أن تقدم للبلد أي بديل آخر غير الجمود القائم.
إن بلدًا بأكمله ينتظر من طبقته السياسية نضجًا من السهل التفريط فيه تبعًا للظروف والمصالح الضيقة.
لا بديل عن الحوار. الجميع يعلم ذلك. وكل ما عدا ذلك ليس إلا عبارات من صنع الذكاء الاصطناعي... أو تبجحات برلمانية...


.gif)
.jpg)


.jpg)