مساحة إعلانية

     

  

    

  

الفيس بوك

الإعلامي محمدمحمود ولد بكار يكتب: لماذا الامتعاض من حظر التجوال؟ ولماذا رفع الأسعار؟

سطوة “العقد الاجتماعي” المالي

على صفحات التواصل الاجتماعي، شاهدتُ الكثير من الامتعاض، الممزوج أحيانًا بالسخط على الدولة، بسبب إجراءات حظر التجوال بعد منتصف الليل. وهو وقت متأخر لا توجد فيه الكثير من دواعي الحركة إلا للترف في الغالب، أو لبعض الأمور التي يمكن تسويتها نهارًا. وبالنسبة لحفلات الزفاف، ففي موروثنا الثقافي كانت المراسيم تقام وقت الزوال؛ وعلى كل حال، فإن هذا الظرف الاستثنائي يتطلب من الدولة والمجتمع ترشيد الطاقة وتوجيهها للحاجات الضرورية خلال فترة لا يعرف أحد حدودها الزمنية ولا تداعياتها. وهو ما يفرض مسؤولية في تقدير الأمور وعواقبها، خاصة عندما يتعلق الأمر بتسيير شعب بكامله ومتطلباته الحياتية.. فالأمر ليس لُعبة.

ولأجل إنفاذ هذا القرار، فُرضت غرامات على مخالفي الحظر، وهي إجراءات تجعل هذا السخط غير مبرر. ففي الفلسفة السياسية والقانونية، لا يُنظر إلى الغرامة كعقوبة فحسب، بل هي أداة لتعديل السلوك البشري الذي يميل بطبعه إلى اتباع "المسار الأقل جهدًا والأكثر نفعًا" (وهي الفوضى في حالتنا الراهنة). ولن يتغير هذا المسار إلا إذا أصبح “ثمن المخالفة” أعلى من “منفعة الفوضى”.

في أوروبا والولايات المتحدة، لم ينضبط الناس لأنهم وُلدوا بجينات “نظامية”، بل لأن نظام الرصد (كاميرات، رادارات، سجلات مدنية مرتبطة بالضرائب) جعل التهرب من الغرامة أمرًا شبه مستحيل. وفي بعض دول الخليج، كانت معدلات الوفيات مرتفعة بسبب السرعة المفرطة، فجاءت الغرامات مغلظة، مما أدى لتراجع ملحوظ في الحوادث والوفيات.

نحن في موريتانيا نعاني من "انفصام مدني" بين صورتي "المواطن المطالب" و"المواطن المخالف". هذه الحالة هي ذروة التناقض: المواطن الذي يلعن الزحام وفوضى الأسواق، هو نفسه الذي يوقف سيارته وسط الطريق “ليشتري غرضًا سريعًا”. هذا السلوك يُسمى في علم الاقتصاد “مشكلة الراكب المجاني”، حيث يريد الجميع نظامًا عامًا يستفيدون منه، دون تحمل تكلفة الالتزام الشخصي به.

مع مرور الوقت، تتحول الغرامة من ضغط مالي إلى سلوك اعتيادي. الأجيال التي نشأت وهي تخشى الغرامة في الغرب، تحوّل لديها الخوف من القانون إلى “ثقافة عامة”، فأصبح الحفاظ على النظام جزءًا من الشخصية الوطنية. لكن جذور هذا السلوك كانت “قسرية” في بدايتها وليست “اختيارية”. وهذا ما نجهله؛ فنحن نريد من الدولة فرض النظام دون أن نشارك فيه أو ندفع ثمنه، خاصة وأننا حديثو عهد بـ "مفهوم الدولة"، ولا نزال بحاجة لضبط السلوك العام عبر احترام المساطر والإجراءات وإشارات المرور.

الحل في موريتانيا: الغرامة أولًا

إن الغرامة هي المنطق الوحيد السليم لفرض النظام، بما في ذلك الانصياع لحظر التجوال. ولكن لكي تؤتي ثمارها وتنتقل من دائرة “الجباية” إلى دائرة “الإصلاح”، تحتاج إلى ركيزتين:

1. المساواة في التطبيق: أن يشعر المواطن أن الغرامة تسري على صاحب “السيارة الفارهة” كما تسري على “التاكسي”؛ فغياب العدالة يشجع على التمرد.

2. الرقمنة: تقليل التدخل البشري والاعتماد على الأنظمة الآلية، لضمان عدم تحول الغرامة إلى مجال للمساومة أو المحسوبية، ولتوجيه السخط نحو "النظام التقني" لا الأفراد أو القطاعات الأمنية.

إن العالم لم يتمدن بالوعظ والإرشاد، بل بصرامة القانون الذي “يوجع الجيوب” حتى تستقيم النفوس. وموريتانيا ليست استثناءً، بل هي الأمسّ حاجة لتطبيق جاد لمبدأ الجزاء من جنس العمل، لانتشالها من براثن الفوضى والبداوة.

لماذا رفع الأسعار؟

هناك مواد ترتبط آلية توريدها بعقود دولية لا تملك الدولة تغييرها، مثل الوقود الذي يُستورد بالسعر العالمي، ورغم ذلك تحملت الدولة جزءًا كبيرًا من تكلفته عند البيع للمواطن، واتخذت إجراءات مصاحبة فعّالة لدعم ذوي الدخل المحدود والمتوسط.

أما المواد الغذائية وعلف الحيوان، التي تمس قوت الناس المباشر، فلا يوجد مبرر لرفع أسعارها بهذه السرعة الجنونية وقد كانت موجودة . إن هذه الوضعية تنم عن جشع وانعدام مسؤولية من بعض التجار، وهو أمر لا يمكن القبول به أو السكوت عنه، ويتطلب حزمًا موازيًا لحزم حظر التجوال من لدن السلطة فلكي يكون هناك توازن في النظام والحفاظ على المصلحة العامة .

اثنين, 06/04/2026 - 10:28