
كتب الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف: "تواجه الدول الحدودية في غرب إفريقيا، في ظل التحولات الأمنية المتسارعة، تحديات مركّبة تتقاطع فيها اعتبارات السيادة مع مقتضيات الأمن الإنساني ومتطلبات الاستقرار الإقليمي. وفي هذا الإطار، تبرز العلاقات بين موريتانيا ومالي كنموذج دالّ على تداعيات القصور في الحوكمة الأمنية، لا سيما في ما يتصل بإدارة الحدود وصون أمن السكان المدنيين.
فقد شهدت السنوات الماضية بروز مؤشرات مبكرة، وإن بدت محدودة في ظاهرها، إلا أنها كانت تنذر بتدهور تدريجي للوضع الأمني في المناطق الحدودية. وكان من المفترض أن يدفع تصاعد النزاعات المسلحة داخل مالي، وتفكك البنى التنظيمية للجماعات المسلحة، وتداخلها مع النسيج المدني، السلطات الموريتانية إلى تبني رؤية استباقية متماسكة. غير أن غياب مقاربة استراتيجية واضحة أفضى إلى عجز ملموس في بناء منظومات ردع فعّالة وآليات حماية ناجعة.
وقد تجسدت هذه الاختلالات بوضوح في الإخفاق في حماية مواطنين موريتانيين تعرضوا لأعمال عنف على الأراضي المالية، وهو ما يكشف عن محدودية فعالية الأطر القنصلية، وعن قصور في تأمين الفضاءات المصنفة عالية الخطورة.
وتقوم العلاقات بين الدول المتجاورة على توازن دقيق بين منطق التعاون وضرورات اليقظة السيادية. وإذا كانت الروابط التاريخية التي تجمع موريتانيا بمالي تفرض شكلاً من أشكال التضامن، فإنها لا تعفي من واجب الدفاع الحازم عن المصالح الوطنية. غير أن تصاعد خطابات وإن لم تكن رسمية تحمل دلالات سياسية واضحة، وتشكك في ترسيم الحدود، بل وتوحي بمطالبات ضمنية بأجزاء من التراب الموريتاني، يعكس انزلاقاً مقلقاً في الخطاب الإقليمي. ويكشف ذلك عن هشاشة التوافق الحدودي، كما يبرز محدودية الفاعلية الدبلوماسية في احتواء هذه السرديات قبل أن تتحول إلى مرجعيات مكرّسة.
وتُعدّ هشاشة الحدود الموريتانية المالية عاملاً مضاعفاً لمستويات المخاطر في سياق إقليمي يتسم بالسيولة وعدم الاستقرار. إذ يسهم ضعف منظومات المراقبة في تسهيل تنقلات عابرة للحدود خارج أي إطار من الضبط، بما في ذلك تحركات عناصر مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بجماعات مسلحة.
ومن جهة أخرى، فإن الحضور اللافت للرعايا الماليين داخل موريتانيا، رغم اندراجه ضمن ديناميات التنقل التاريخي في الفضاء الإقليمي، يطرح إشكالات أمنية متنامية في ظل بيئة مشحونة بالتوتر. ويزيد من حدة هذه الإشكالات غياب سياسة هجرة متكاملة، قادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الالتزامات الحقوقية، مما يعمّق الشعور بالهشاشة المجتمعية.
ويبرز من بين أكثر مواطن القلق غياب تحديد صريح وعلني لما يمكن اعتباره «خطوطاً حمراء» في العقيدة السيادية للدولة. فبينما قد تُعدّ الضبابية الاستراتيجية أداة تكتيكية في بعض السياقات، فإنها في حالات التوتر الحدودي تُقرأ غالباً بوصفها مؤشراً على التردد أو الضعف، وهو ما قد يشجع على اختبار حدود الردع.
إن تفاعل هذه العوامل من قصور في الرؤية الاستراتيجية، وضعف في الأداء الدبلوماسي، وهشاشة في البنية الأمنية، وغياب عقيدة واضحة يفضي إلى تشكيل بيئة قابلة للانزلاق نحو مزيد من التصعيد. وفي سيناريوهات قصوى، قد تتطور الأوضاع إلى مواجهات مسلحة، أو إلى إغلاق أحادي للحدود، أو إلى تدهور مستدام في العلاقات الثنائية.
ومن شأن مثل هذه التطورات أن تكون ذات انعكاسات كارثية، ليس فقط على الدولتين المعنيتين، بل على مجمل الفضاء الإقليمي، الذي يعاني أصلاً من أزمات بنيوية متعددة الأبعاد.
وفي المحصلة، تكشف هذه القراءة عن عجز بنيوي في قدرة الدولة الموريتانية على مواءمة أجهزتها الأمنية والدبلوماسية مع التحولات المتسارعة في محيطها الإقليمي. ذلك أن حماية المواطنين، وصون الوحدة الترابية، والحفاظ على الاستقرار الوطني، لم تعد رهينة إجراءات ظرفية، بل تتطلب رؤية شاملة، واستجابة عاجلة، متعددة الأبعاد، ومؤسسة على وضوح في العقيدة والسياسات. وفي غياب ذلك، قد لا تقتصر التداعيات على تهديد الأمن الوطني، بل قد تمتد إلى تقويض الأسس الجوهرية لسيادة الدولة.


.gif)
.jpg)


.jpg)