
ليست زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى باريس في هذا التوقيت حدثاً عابراً في سجل الدبلوماسية، ولا محطة بروتوكولية تُلتقط فيها الصور بابتسامات عريضة في مشهد إبروتوكولي رفيع لا تقيمه فرنسا إلا في حالات نادرة ولضيوف مميزين؛ فولد الغزواني هو "صديق فرنسا الموثوق" في منطقة الساحل. وعلى كل حال، فإن هذه الزيارة تمثل اختباراً حقيقياً لطبيعة العلاقة بين البلدين:
هل نحن أمام نشاط دبلوماسي يسعى لأن يصنع للدولة موقعها في ظل إعادة صياغة التحالفات الاستراتيجية، أم أمام دولة يُعاد تشكيل وضعيتها وفق مصالح الآخرين؟
في قصر الإليزيه، حيث يجلس إيمانويل ماكرون محاولاً استعادة مركز فرنسا، تُدار الأمور التي خلقت الوضع الأفريقي المأزوم بعيداً عن العواطف، بل بلغة الحسابات المجرّدة. وإن كان هناك شيء لم يتغير تاريخياً، فإن فرنسا اليوم ليست في موقع قوة مريح؛ فقد خسرت مركزها الاقتصادي عالمياً وأوروبياً، وفقدت مواقعها في مالي والنيجر وبوركينا فاسو والسنغال، وهي تبحث بشغف عن موطئ قدم راسخ في الساحل. وهنا تحديداً، تدخل موريتانيا إلى المشهد.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: هل تدخل موريتانيا كشريك، أم كبديل مؤقت في استراتيجية فرنسية تتداعى؟ إن نتائج هذه الزيارة هي ما سيوضح لنا ذلك.
-ميزان العلاقة والمخاوف الأمنية
يرتبط غزواني وماكرون بعلاقة ممتازة، لكن السؤال هو: ما مدى تأثير ذلك على نتائج الزيارة وفي أي كفة ستصب؟ وفي جميع الأحوال، لا يكمن الخطر الأكبر في الزيارة نفسها، بل فيما قد يترتب عليها.
صحيح أن غزواني صاحب مقاربة أمنية نجحت نجاحاً ملموساً في المنطقة، لكنه يواجه انتقادات بسبب هذه العلاقة الوطيدة مع الفرنسيين واضطرابات في العلاقة مع الجارة الحميمة مالي فهل تقدر فرنسا ذلك . ومن هنا يبرز التخوف من أن تتحول الدولة إلى "نقطة ارتكاز أمنية"، حيث تفقد تدريجياً القدرة على تعريف أولوياتها بنفسها، ليصبح أمن الآخرين أولوية، وحدودهم ومصالحهم قضية وطنية، بينما تتراجع قضايا التنمية والتشغيل والتعليم إلى الخلف، خاصة أن العلاقة مع فرنسا لها كلفتها الخاصة. وهنا تكمن الخسارة المزدوجة: خسارة الرهانات، وخسارة الجيران.
إن ما يدركه الجميع هو أن فرنسا لا تبحث عن معجزة في موريتانيا، بل عن "وظيفة" واضحة: ضبط الحدود، كبح الهجرة، والمساهمة في هندسة أمن إقليمي يخدم أوروبا أولاً، بالإضافة إلى استغلال الموارد المتعددة بما فيها الطاقة الكامنة في موريتانيا.
وفي المقابل، ماذا يُعرض على موريتانيا؟
حسب العرف والعقيدة الفرنسية: تمويلات مشروطة، دعم سياسي محسوب، واستثمارات انتقائية لا ترى في البلد سوى ما يمكن استخراجه منه، لا ما يمكن بناؤه أو بقاؤه فيه.
هكذا تعلمت شعوب كثيرة الدرس قبلنا؛ ففي مالي والنيجر وبوركينا فاسو، لم يكن الانفجار ضد فرنسا وليد لحظة، بل نتيجة تراكم طويل من علاقات غير متكافئة، حيث يُدار الأمن من الخارج ويُستنزف الاقتصاد بصمت. فهل نعيد التجربة نفسها ونعود للأغلال بأسلوب أكثر هدوءاً؟ غزواني الآن على المحك.
المفارقة أن العالم تغير، بينما لا يزال البعض يفكر بعقلية الاصطفاف الواحد. اليوم لم تعد فرنسا وحدها في الساحة؛ فهناك الصين بثقلها الاقتصادي، وروسيا بحضورها الأمني، ودول الخليج باستثماراتها المتنامية، وتركيا بتصنيعها العسكري. والدولة الذكية ليست هي التي تستبدل تبعية بأخرى، بل التي تُحوّل الجميع إلى شركاء في مشروعها الوطني.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد الاتفاقيات الموقعة، بل في طبيعتها. والإجابة على التساؤلات التالية تعطينا صورة أوضح:
• هل سنبرم اتفاقيات تُنتج قيمة مضافة داخل موريتانيا؟
• أم مجرد صفقات تُرحّل الثروة إلى الخارج وتُبقي الداخل على حاله؟
إننا أمام رهان السيادة التي لا تُقاس بالخطابات ولا بالمجاملات، بل بالشروط. فكل اتفاق لا ينقل معرفة، ولا يخلق صناعة، ولا يضمن قراراً مستقلاً، هو في حقيقته خطوة إلى الوراء مهما بدا متقدماً في ظاهره.
لسنا ضد فرنسا، ولا ضد أي شراكة معها، ونقدر علاقة الرئيس بها، لكننا ضد أن تتحول الشراكة إلى "وصاية ناعمة"، وضد أن يُعاد تدوير النموذج نفسه الذي أثبت فشله في أكثر من مكان.
موريتانيا اليوم أمام فرصة نادرة: إما أن تفرض نفسها كدولة تملك قرارها وتُحسن التفاوض على مصالحها، أو أن تنزلق بهدوء إلى دور وظيفي يُرسم لها من الخارج. والتاريخ لا يرحم الدول التي تخلط بين الدعم والسيادة، فالزمن قد تجاوز أنماطاً معينة من العلاقات التقليدية وموريتانيا بحاجة لشريك يملك عقيدة الشراكة فقط.


.gif)
.jpg)


.jpg)