
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تبدو زيارة رئيس موريتانيا لفرنسا مثار للجدل و التعويل عليها—أقرب إلى رهانٍ على شريكٍ فقد كثيرًا من توازنه في الساحل، بدل أن تكون خطوة محسوبة ضمن رؤية سيادية متماسكة. فموريتانيا اليوم لا تواجه مجرد تحديات عابرة، بل تقف على تخوم وضع أمني متدهور مع مالي، وتحت تأثير ارتدادات صراعات دولية كبرى، في وقتٍ تعثّر فيه مسار الحوار الداخلي الذي كان يُفترض أن يُحصّن الجبهة الوطنية.
فرنسا، التي تراجعت أدوارها في الساحل بشكل لافت، لم تعد ذلك الفاعل القادر على تقديم حلول حاسمة. علاقتها المتوترة مع جمهورية مالي تحديدًا تجعل أي تقارب موريتاني-فرنسي محاطًا بشبهة الاصطفاف غير المحسوب، وقد يبعث برسائل سلبية إلى الجار الشرقي الذي تعيش معه البلاد وضعًا أمنيًا دقيقًا يتطلب قدرًا عاليًا من التوازن والبراغماتية، لا المغامرة الدبلوماسية.
أما من حيث ما يمكن أن تقدمه فرنسا فعليًا، فإن السقف يبدو محدودًا: دعم أمني تقني، أو تعاون استخباراتي، أو وعود استثمارية غالبًا ما تصطدم بحسابات الشركات والمصالح. وهي أدوات، وإن بدت مغرية في ظاهرها، إلا أنها لم تمنع تدهور الأوضاع في دول كانت أقرب إلى باريس من نواكشوط. بل إن التجربة الإقليمية تُظهر أن هذا “الدعم” قد يتحول إلى عبء سياسي، وربما إلى مدخل لتعقيد العلاقات مع محيط إقليمي حساس.
وفي ظل الانشغال الدولي بالحرب على إيران وتداعياتها، فإن الرهان على أولوية موريتانيا في أجندة باريس يبدو وهمًا آخر. ففرنسا نفسها تعيد ترتيب أولوياتها تحت ضغط تحولات دولية كبرى، ولن تكون نواكشوط سوى ملف ثانوي في حسابات معقدة.
الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه الزيارة تأتي في وقتٍ يعاني فيه الداخل من جمود سياسي واضح، بعد توقف الحوار الذي دعا إليه الرئيس، وهو ما كان ينبغي أن يكون مدخلًا لتعزيز التماسك الداخلي قبل الانفتاح على رهانات خارجية مثيرة للجدل. إذ لا يمكن لأي شراكة خارجية أن تعوّض غياب التوافق الوطني، ولا أن تحل محل جبهة داخلية صلبة.
بناءً على ذلك، فإن التعويل على فرنسا في هذا التوقيت يبدو أقرب إلى محاولة للهروب إلى الخارج بدل معالجة الأعطاب في الداخل، ومخاطرة بإدخال البلاد في حسابات إقليمية معقدة لا تملك أدوات التحكم فيها. المطلوب ليس الارتماء في أحضان شريك متراجع، بل بناء مقاربة متوازنة، تُعلي من مصلحة البلاد، وتحافظ على علاقات متوازنة مع الجوار، وتعيد الاعتبار للداخل كمنطلق لأي استقرار حقيقي.


.gif)
.jpg)


.jpg)