
قال الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف في تدوينة له:"إن الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى فرنسا لا ينبغي تحليلها فقط من زاوية دبلوماسية أو اقتصادية، بل يجب فهمها أولاً باعتبارها فرصة استراتيجية كبرى لإعادة تعريف نموذج الدفاع الموريتاني بشكل عميق.
اليوم، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان ينبغي تعزيز الدفاع الوطني، بل كيف يمكن إحداث تحول جذري فيه لبلوغ مستوى من المصداقية والفعالية والردع يتناسب مع حجم التحديات ويخدم المصالح الوطنية. فجيش حديث لا يمكن أن يعتمد على نموذج دعم مجزأ قائم على هبات ظرفية أو برامج تدريب محدودة، بل يجب أن يستند إلى رؤية شاملة، متماسكة ومستدامة.
في هذا الإطار، فإن اختيار شريك استراتيجي سواء كانت فرنسا، أو الولايات المتحدة، أو الصين، أو روسيا، أو تركيا، أو غيرها من القوى لا ينبغي أن تحكمه اعتبارات سياسية أو تاريخية، بل يجب أن يقوم على معيار أساسي: القدرة الفعلية لهذا الشريك على المساهمة في بناء منظومة دفاع متكاملة، مستقلة وقادرة على الصمود.
في حال حدوث أزمة أو نزاع، يجب أن تكون موريتانيا قادرة على دعم مجهودها الحربي بكفاءة وعلى المدى الطويل. وهذا يفترض وجود سلاسل إمداد قوية قادرة على توفير قطع الغيار والذخيرة والمعدات والأنظمة البديلة بسرعة. فالجيش الذي لا يستطيع الحفاظ على جاهزية معداته التشغيلية هو جيش هش، مهما كانت تجهيزاته الأولية.
غير أن التحدي لا يقتصر على الجانب اللوجستي فقط، بل يكمن الرهان الأساسي في نقل القدرات. إذ ينبغي لموريتانيا أن تسعى إلى تحقيق نقلة نوعية قائمة على التحكم التدريجي في القطاعات الحيوية لمنظومتها الدفاعية. ويتطلب ذلك إنشاء قدرات صناعية وتقنية محلية، مثل ورشات الصيانة الثقيلة، ووحدات تركيب المركبات العسكرية، بل وحتى إنتاج جزئي لمعدات تتلاءم مع خصوصيات الميدان.
وفي هذا السياق، تبرز عدة محاور ذات أولوية:
• تطوير قدرة وطنية في أنظمة المدفعية والأسلحة المضادة للدروع، بما يشمل التركيب المحلي لبعض المعدات والصيانة الذاتية.
• إنشاء منظومة للطائرات بدون طيار، تمتد من التجميع إلى الصيانة، وصولاً إلى تصميم حلول تتطور تدريجياً لتلبية الاحتياجات الخاصة (مراقبة الحدود، مكافحة الجماعات المسلحة، الاستطلاع).
• تطوير صناعة للدعم اللوجستي، تشمل تركيب الشاحنات العسكرية، وإدارة قطع الغيار، وصيانة الأساطيل.
• إنشاء بنية تحتية تقنية قادرة على دعم دورة حياة المعدات بالكامل.
وبالتوازي مع ذلك، يجب أن يشهد التكوين تحولاً في الحجم والطبيعة. فلم يعد الهدف مجرد تدريب الجنود، بل بناء رأس مال بشري استراتيجي: مهندسون عسكريون، تقنيون متخصصون، مشغلو أنظمة معقدة، وأطر قادرة على تصميم وقيادة عمليات مشتركة بين مختلف الأسلحة. وينبغي أن يكون هذا التكوين مرتكزاً محلياً، من خلال إنشاء مراكز تميز داخل البلاد لضمان استقلالية مستدامة.
كما يُعد تكامل الأنظمة عاملاً حاسماً. فنجاعة أي جيش تقوم على الانسجام بين مكوناته المختلفة: الاستخبارات، القيادة، الحركة، والقوة النارية. ويتطلب ذلك أنظمة اتصالات مؤمنة، وقدرات متقدمة للمراقبة (رادارات، طائرات بدون طيار، وأقمار صناعية عبر شراكات)، إضافة إلى عقيدة تشغيل واضحة ومتكيفة مع طبيعة التهديدات.
وأخيراً، يجب تبني مفهوم الردع بشكل كامل. فالدفاع الموثوق لا يُقاس فقط بقدرته على الرد، بل أيضاً بقدرته على المنع. إن امتلاك معدات حديثة، وقوات مدربة جيداً، ومنظومة لوجستية قوية يبعث برسالة واضحة: موريتانيا مستعدة للدفاع عن مصالحها وأراضيها على المدى الطويل.
وعليه، فإن التعاون المنشود لا ينبغي أن يكون تعاون مساعدة، بل تعاون تحول. تعاون يمكّن موريتانيا من تحقيق قفزة استراتيجية حقيقية، والانتقال من منطق التبعية إلى منطق السيادة المدروسة.
إن الرهان يتجاوز الإطار الوطني بكثير. فموريتانيا التي تمتلك منظومة دفاع قوية ومستقلة تصبح فاعلاً أساسياً في استقرار المنطقة، وقادرة على الإسهام بفعالية في الأمن، مع حماية مصالحها الخاصة.
وفي الختام، من الضروري أن يتم تقييم أي تعاون عسكري بناءً على أثره الفعلي في تعزيز قدرة البلاد على بناء جيش متكامل: مجهز، مدرب، مدعوم لوجستياً، وقادر على الصمود والاستمرار. وبهذا فقط يمكن لموريتانيا أن تمتلك دفاعاً يرقى إلى مستوى طموحاتها الاستراتيجية


.gif)
.jpg)


.jpg)