مساحة إعلانية

     

  

    

  

الفيس بوك

الإعلامي محمد محمود ولد ابو المعالي يكتب: "الجيش الموريتاني من "لمغيطي" إلى "كتول".. تحديات ومواجهات"

مع تزايد حوادث دخول قوات من الجيش المالي لبعض القرى التي يقطنها موريتانيون داخل الحدود المالية، وعمليات القتل التي تعرض لها موريتانيون في عمق الأراضي المالية، وعشية حادثة قرية "كتول" قرب مقاطعة اطويل بولاية الحوض الغربي، والتي فكك الماليون فيها برج اتصالات تابعا لشركة موريتانية، وما تلا ذلك من تدخل للجيش والحرس الموريتانيين، وتوقيف الوحدة العسكرية المالية وإعادة المسلوب من معدات البرج الهوائي، طفت على السطح أسئلة عديدة تتعلق في مجملها بحماية الحدود والسيطرة عليها، وقدرة الجيش الموريتاني على مواجهة تحديات الحدود المعقدة، وتأمين وصون الحوزة الترابية، وفرض هيبة وسلطة الدولة على كافة أرجاء الوطن، فجاءت هذه المحاولة لتسليط الضوء على جانب من التاريخ الحديث والواقع المشهود للجيش الوطني باعتباره الركن الركين والحصن الحصين المعول عليه في حماية الحوزة الترابية وتأمين المواطنين والمقيمين داخل البلاد، ولست هنا في وارد التطرق لقدرات الجيش أو عدته وعتاده، ولا لتكوينه أو عقيدته القتالية، فذلك شأن الخبراء العسكريين، وهم به أدرى وأعلم، لكني لاجرم إن تطرقنا في هذه الشذرات لبعض الحوادث والوقائع والشواهد المتناثرة من التاريخ الحديث ذات الصلة بالجيش الوطني وموجهاته القتالية، مما قد يساهم في رسم صورة أقرب إلى الواقع عن جيشنا الوطني، ويطمئن السائلين والمستفهمين وحتى المشفقين، على أمن الحدود وسكينة الوطن واستقراره، بعيدا عن المزايدات والتخمينات الافتراضية والتخرصات الخاطئة المَعيبة. 

فمن المعلوم أن الجيش الموريتاني فُرض عليه صراع دموي غير تقليدي منذ يونيو عام 2005، عندما تعرضت حامية تابعة له في بلدة لمغيطي شمال البلاد لهجوم من طرف مسلحين تابعين للجماعة السلفية للدعوة والقتال (القاعدة لاحقا)، جاءوا من شمال مالي، وهو يومها جيش يعاني من ترهل في الهيكلة وضعف في العدة والعتاد، ومنذ ذلك التاريخ دخل في حرب أشباح مع المقاتلين السلفين استمرت حتى أواخر عام 2011، غير أنه بعد سنوات من هجوم لمغيطي، وبموازاة مع الجهد الحربي ضد المقاتلين العابرين من خارج الحدود، تمكنت قيادة الجيش من إحداث تغيير جذري في واقعه العددي والعتادي، وعقيدته القتالية، وتحول من جيش يعاني من ضعف في التجهيز ونقص في الكادر البشري، إلى جيوش عديدة (الجيش البري، الجيش الجوي، الجيش البحري، والقوات الخاصة.. إلخ) مجهزة ومؤهلة للمواجهة وصد العدوان بروح قتالية عالية، فتمكنت كتائبه من اقتحام الأراضي المالية عدة مرات، واشتبكت مع مسلحي تنظيم القاعدة في مواجهات ضارية، بينما اكتفى الماليون باستضافة المعارك على أراضيهم والتفرج على مجريات الأحداث، وهنا لا مندوحة عن التعريج على أمثلة حية من تلك المواجهات المشهودة، كمعركة "غابة وقادو" في يونيو 2011، حيث دخلت القوات الموريتانية الأراضي المالية في إطار حملة مشتركة ومنسقة بين الجيشين الموريتاني والمالي لتطهير "غابة وقادو" ومنطقة شمال تمبكتو وسائر مناطق الشمال المالي مما يلي الحدود مع موريتانيا، من المسلحين التابعين للقاعدة، لكن القوات المالية انسحبت قبل ساعات قليلة من موعد ساعة الصفر لبدء الهجوم، بينما أصرت القوات الموريتانية على اقتحام الغابة والاشتباك مع المسلحين والسيطرة على معسكرهم، ورغم الكمائن التي نصبوها والألغام التي فجروها في مدخل الغابة، إلا أن القوات الموريتانية تمكنت بعد معركة ضارية من دخول الغابة والسيطرة عليها، وهي غابة تمتد على مساحة شاسعة (40كلم في 80كلم)، كما اقتحم الجيش الموريتاني الأراضي المالية بعد ذلك بحوالي شهر تقريبا، حيث نفذ عملية استهدفت خلية من "سرية الفرقان" التابعة لتنظيم القاعدة، أسفرت عن مقتل سبعة من عناصرها بينهم القيادي البارز والمدرب المعروف في أوساط التنظيم، "سلام عميروش" المكنى "بلال أبو مسلم الجزائري"، كما اشتبك الجيش الموريتاني مع عشرات المهربين المسلحين في "لمزرب" على الحدود الشمالية مع مالي في شهر فبراير عام 2010، في عملية أسفرت عن تدمير عدد من المركبات ومصادرة أخرى، وقتل ثلاثة منهم واعتقال 18 آخرين تم اقتيادهم للمثول أمام العدالة في نواكشوط، كما أحبط الجيش الموريتاني هجوما شاركت فيه مختلف كتائب وسرايا تنظيم القاعدة في مالي استهدف مدينة باسكنو وحاميتها العسكرية بولاية الحوض الشرقي، وقاده أمير التنظيم في الصحراء الكبرى يومها "نبيل مخلوفي" وذلك في شهر يوليو عام 2011، وقتل خلال المعركة عدد من المهاجمين قبل أن يعودوا أدراجهم إلى العمق المالي.

 

وفي بداية شهر فبراير عام 2011، تمكن الجيش من إحباط هجمات تفجيرية كانت تستهدف مناطق حساسة وسط العاصمة نواكشوط،  كوزارة الدفاع وإدارة الأمن العام قرب القصر الرئاسي، والسفارة الفرنسية بنواكشوط، حيث استطاع عناصره تفجير إحدى السيارات المفخخة القادمة من شمال مالي على مشارف العاصمة نواكشوط، ومنعها من دخول العاصمة وقتل مسلحين كانا على متنها، كما تمكنوا من ملاحقة ثلاثة مسلحين أخرين كانوا على متن سيارة أخرى في جنوب البلاد فاعتقلوا اثنين منهم وقتلوا الثالث. 
وفي صدى تداعيات تلك المواجهات بين الجيش الموريتاني ومسلحي الجماعات السلفية في مالي، أكد أكثر من قائد في تلك الجماعات خطورة وصعوبة المواجهة مع الجيش الموريتاني، واعتبروا في تصريحات لهم أن احتمال مشاركة موريتانيا في الحرب التي خطط لها الفرنسيون والأفارقة لتحرير مدن شمال مالي من قبضة الجماعات المسلحة بداية عام 2013، ستزيد من متاعبهم الميدانية، مؤكدين أن الجيش الموريتاني ونظيره تشادي يتميزان بقدرة قتالية عالية ـ خصوصا في المناطق الصحراوية الوعرة والمناخ الحار والعاصف ـ  أكثر من غيرهما من جيوش المنطقة، بل أقروا بإن الجيش الموريتاني يشكل الخطر الأكبر بالنسبة لهم، نظرا لقدرته على الاحتفاظ بخطوط إمداد من موريتانيا إلى داخل التراب المالي حال توغله فيها، بخلاف الجيش تشادي الذي تفصله جمهورية النيجر الشاسعة عن الأراضي المالية.

 

كما أن الجيش الموريتاني هو الذي حالت تجربة القتال معه، دون قيام الجماعات المسلحة في مالي بإنشاء معسكرات وقواعد لهم على الأراضي الموريتانية، حيث ورد في إحدى الوثائق التي تم الحصول عليها في شمال مالي، أن "بلمختار" عقد اجتماعا مع قادة ميدانيين من التنظيم، لبحث الوضع في موريتانيا، وقد أبلغهم خلال الاجتماع أنه أرسل عدة مجموعات إلى موريتانيا لتنفيذ مهام محددة، إلا أن أغلب هذه المجموعات فشلت في تنفيذ مهامها كما كان مخططا لها، لذلك فهو مهتم بالبحث عن وسائل واساليب جديدة تضمن نجاح عملياته في موريتانيا، وأكد لهم أن الحاجة باتت ملحة لوجود قاعدة ميدانية للتنظيم داخل موريتانيا يتم التخطيط فيها والانطلاق منها، ويلجأ إليها العناصر المطاردون أو المكلفون بمهام إذا نفذوا مهامهم، فعرض القيادي الموريتاني في التنظيم "عبد الرحيم" فكرة إنشاء معسكرات للتنظيم في سلسلة الجبال الممتدة بين ولايتي تكانت وآدرار شمال موريتانيا، لكن "بلمختار" رد بالقول إن ذلك يشكل خطرا على عناصر التنظيم، مؤكدا أن تجربتهم في مواجهة الجيش الموريتاني وقدراته القتالية في المناطق الصعبة، تدفعه للجزم بسهولة اقتحامه معسكرات التنظيم اذا اقيمت في تلك الجبال، أو محاصرة المتحصنين فيها، وفرض الاستسلام عليهم أو الموت جوعًا وعطشًا، ثم قدم أحد القادة مقترحا بديلا بإنشاء معسكرات للتنظيم في غابات ولايتي "غورغل" وغيديماغا" جنوب شرق البلاد على الحدود مع مالي والسنغال، لكن تقييم قيادة التنظيم لقدرات الجيش الموريتاني القتالية جعلتهم يجزمون بأنه سيكون قادرا على اقتحام تلك الغابات وتدمير المعسكرات داخلها واعتقال أو قتل من يتحصن فيها، وقد خلص التنظيم إلى استحالة إقامة معسكرات أو قواعد له على الأراضي الموريتانية رغم مساحتها الشاسعة وتضاريسها الوعرة، بناء على التجربة التي خاضها مقاتلوه مع الجيش الموريتاني، وأن الوسيلة الأفضل بالنسبة لهم هي التسلل إلى الأراضي الموريتاني وتنفيذ عمليات داخلها ثم العودة إلى الأراضي المالية والتوغل في عمقها بعيدا عن الحدود.

 

ولعل حادثة قرية كتول الأخير، أفصحت عن رسائل جلية المعاني بهذا الخصوص، حول أمن وأمان ساكنة الحدود وطمأنتهم، ومن ثَمَ أمن ساكنة سائر مناطق الوطن، وكشفت عن أن الجاهزية لا ريب فيها، والقدرة على التنفيذ لا مراء حولها، مع احترام سيادة الجار على حوزته الترابية، والنأي عن التدخل في شؤونه الداخلية.

خميس, 23/04/2026 - 20:39