
قال محفوظ ولد السالك، الصحفي المتخصص في الشأن الإفريقي، إن الأزمة الحالية في مالي هي أزمة تراكمية، بمعنى أنها تراكمت عبر الأزمان وعبر الأنظمة التي حكمت البلاد، سواء كانت مدنية أو عسكرية. وأوضح أن هذه الأزمة تتعلق ببنية النظام وبطريقة إدارته، ليس فقط في ظل النظام الحالي، بل أيضًا في ظل الأنظمة المتعاقبة، التي لم تتمكن من إيجاد حل جذري للإشكال القائم، ما أدى إلى تجدد الهجمات من حين لآخر، وحمل السلاح ضد الجيش وضد المدنيين أحيانًا.
وأضاف مساء امس الاثنين خلال مقابلة له على قناة TTV، إلى أن الإشكال التراكمي عبر فترات زمنية مختلفة جعل تفاعل الأنظمة معه دون المستوى المطلوب، سواء من حيث فهمه أو من حيث إيجاد حلول جذرية له، مؤكدًا أنه لا يمكن تحميل السلطة الحالية وحدها مسؤولية هذا الوضع، رغم أنها أخفقت أيضًا في معالجة الجانب العسكري من الأزمة، الذي كان يُعتقد أن تعاطي العسكريين معه قد يختلف عن المدنيين، لكن الواقع أظهر أن الأزمة أعمق من ذلك.
وأكد أن الهجمات ظلت تتجدد باستمرار، وأن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مالي يرتبط جزء كبير منها بعدم الاستقرار الأمني، مشيرًا إلى أن الإشكال ظل قائمًا لفترة طويلة دون حلول حقيقية، سواء في عهد النظام الحالي أو الأنظمة السابقة، التي فشلت جميعها في إنهاء الهجمات الأمنية والإشكالات المرتبطة بها.
واشار إلى استهداف القيادات، موضحًا أن له تأثيرًا كبيرًا على استقرار السلطة، خاصة خلال إدارة الأزمات، حيث يسبب حالة من الارتباك، لافتًا إلى أن ما حدث مؤخرًا غير مسبوق، خصوصًا مقتل وزير داخل العاصمة باماكو أو ضواحيها، ما أحدث ارتباكًا واضحًا، إلى جانب إصابة بعض الجنود وربما قيادات عسكرية.
وأشار إلى أنه بعد مرور 48 ساعة من الأحداث، ظهر نوع من التخفف من الضغط، وربما قدرة النظام الانتقالي على تجاوز الأزمة إذا لم تتجدد الهجمات بشكل أقوى، رغم أن كل الاحتمالات تظل قائمة، مؤكدًا أن غياب الرئيس الانتقالي لمدة تقارب 48 ساعة شكل حالة من الفراغ، قبل أن يظهر لاحقًا في موكب متجه إلى القصر الرئاسي، ما اعتُبر مؤشرًا على استعادة قدر من السيطرة.
وأوضح أن السلطات ما تزال تسيطر، خاصة في العاصمة باماكو، معتبرًا أن ما حدث يشبه هجمات سابقة من حيث كونه هجمات خاطفة، رغم أنها كانت أكثر شدة هذه المرة، خصوصًا مع مقتل وزير الدفاع وإصابة قيادات وجنود، وإعلان الجماعات الأزوادية السيطرة على بعض مدن الشمال، مؤكدًا أن ما جرى في باماكو يظل هجومًا خاطفًا مقارنة بما يحدث في الشمال.
وأضاف أن الخطاب الرسمي حاول سد الفراغ الإعلامي منذ البداية، حيث توالت بيانات الجيش والحكومة، رغم وجود تشكيك في تطابقها مع الواقع، وهو أمر شائع في الحروب، إذ نادرًا ما يعترف أي طرف بالخسارة، مشيرًا إلى أن الجيش تحدث عن سقوط عشرات بل مئات القتلى في صفوف المسلحين، مع حصيلة وصلت إلى نحو 200 قتيل، مؤكدًا أن هذا التفاعل الإعلامي ساهم في الحد من تداعيات أكبر كان يمكن أن تحدث لو غاب الخطاب الرسمي.
وبيّن أن ما حدث يمثل انتكاسة أمنية، خاصة أن مدن الشمال التي أعلنت الحركات المسلحة السيطرة عليها كان الجيش قد استعادها قبل نحو عامين بعد عقد من سيطرة الجماعات الأزوادية عليها، معتبرًا أن استهداف باماكو وكاتي، وهما من أكثر المناطق تحصينًا، يعكس تراجعًا واضحًا، رغم أنه ليس الأول من نوعه، لكنه أشد وطأة هذه المرة.
كما أشار إلى الظهور المتزامن للرئيس الانتقالي الجنرال عاصمي غويتا ورئيس المجلس الانتقالي، معتبرًا ذلك مؤشرًا لافتًا، خصوصًا بعد غياب غويتا منذ بداية الهجمات، وظهوره لاحقًا في موكب من كاتي إلى القصر، مقابل زيارة رئيس المجلس الانتقالي والوزير الأول للمصابين في كاتي، متسائلًا عما إذا كانت هناك ترتيبات داخل السلطة أو تنافس بين شخصيتين بارزتين، دون إمكانية الجزم بذلك في الوقت الحالي.
واضاف إن الانسداد والتسوية كلاهما وارد، بل إن الانسداد طبع الحياة السياسية في مالي منذ اندلاع الأزمات، في ظل غياب حلول نهائية، واستمرار الهجمات من مختلف الأطراف، مؤكدًا أن التسويات التي وُجدت كانت جزئية ومؤقتة، وأن النظام الانتقالي الحالي ورث هذا الوضع، ويحاول إيجاد تسوية جديدة، لكن نجاحه غير مؤكد، وأن الأيام القادمة ستحدد ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو الانفراج أو مزيد من التعقيد.


.gif)
.jpg)


.jpg)