مساحة إعلانية

     

  

    

  

الفيس بوك

الإعلامي محمدمحمود ولد بكار يكتب:  ميثاق لحراطين: من المظلمة القانونية إلى تجزئة المجتمع

تأسس "ميثاق لحراطين" في الظاهر كمبادرة سياسية لخلق منطقة رمادية لامتصاص نقمة "لحراطين" في وقت احتدم فيه الجدل حول العبودية. وقد بلغ الصدام ذروته آنذاك بين المنظمات الحقوقية التي تناضل ضد العبودية وتعتبرها ممارسة قائمة، وبين النظام الذي يرى أنها اختفت قانوناً وواقعاً، وما تبقى ليس سوى مخلفات يمكن القضاء عليها عبر البرامج الحكومية، كإلزامية التعليم ومكافحة التمييز ومحو الأمية. وهو طرحٌ لم يُقنع المنظمات الحقوقية، وهكذا دُفع بهذا الكيان ليشغل الفراغ، لا ليحسمه.

في ظل هذا التباين الذي وجد صداه داخلياً وخارجياً، وتحوّل إلى شرخ إضافي في الحياة السياسية، ظهر هذا الحراك دون أن يمتلك أيديولوجيا واضحة أو تصوراً محدداً للأهداف، ولا صيغةً لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الفاعلة. كما أنه لم يقدم تعريفاً دقيقاً لنفسه، ولم يطرح بديلاً للفهم السائد للمسألة، ورغم ذلك، حول القضية إلى إطار "لوني" ومعضلة جديدة غير قابلة للحل، بل كرّس الانقسام وزاد من تجزئة المجزأ.

وإذا كان هذا الحراك قد خدم النظام إلى حدٍّ ما، فإنه لم يخدم المجتمع، ولم يكن بريئاً في أهدافه الجوهرية؛ إذ سعى إلى نقل قضية الاسترقاق من سياقها كمظلمة قانونية قابلة للمعالجة عبر التشريعات، إلى مظلمة اجتماعية تتمحور حول "اللون". ويهدف هذا التوجه إلى تمييز "لحراطين" عن بقية النسيج المجتمعي، وخلق اصطفاف فئوي خاص بهم بمعزل عن بقية المواطنين. وهذا ما وسم الطرح بالضبابية؛ فهو يتغذى على قضية تفرقة اجتماعية خطيرة، ويعيد إنتاجها في قالب جديد: من قضية حقوقية وقانونية إلى أزمة هوية مفتوحة على كل الاحتمالات الخطرة، حتى وإن تبنى أسلوباً مرناً ولغة تصالحية.

الأخطر من ذلك، أن "الميثاق" انزلق نحو تكريس رؤية اختزالية للمجتمع قائمة على اللون لا المواطنة، وعلى الاصطفاف لا الاندماج. لقد جرى تحويل ملف العبودية من مسار العدالة وترميم الوضع النفسي للمتضررين، إلى أداة تعبئة اجتماعية تُغذّي الانقسام وتعيد رسم المجتمع على أسس لونية هشة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وجد بعض المتحمسين في هذا الخطاب فرصة لطرح فكرة أكثر خطورة: تحويل "لحراطين" إلى كيان اجتماعي مستقل، أو "شبه قومي" منفصل عن سياقه التاريخي. وهو طرح يتجاهل —بقدر لافت من الانتقائية— حقائق الانصهار العميق في الثقافة والتاريخ والجغرافيا داخل مجتمع "البيظان". وهذا يقفز عمداً على حقيقة أن "لحراطين" ليسوا مجتمعاً منفصلاً بقيم مغايرة، بل جزء أصيل من بنية اجتماعية تاريخية معقدة، قامت على تراتبية طبقية غير عادلة، لكنها ليست فريدة ولا معزولة عن بقية مظالم المجتمع؛ فالفقر والبطالة وضعف التعليم أوجاع مشتركة، وإن كانت أكثر حدّة وتجذّراً في حالة "لحراطين" بحكم الإرث القسري.

إن تحويل هذه المظالم إلى مشروع فصل اجتماعي ليس حلاً، بل وصفة لتفكيك ما تبقى من تماسك وطني. فبدلاً من الدفع نحو العدالة في إطار الدولة، يجري الدفع نحو خلق كتل متقابلة، لكل منها خطابها وسقفها الخاص.

أما الدولة، فرغم سجلها التشريعي الذي لا يمكن إنكاره، فإن مشكلتها الحقيقية لم تكن في غياب القوانين بل في ضعف تنفيذها؛ حيث ظل القضاء الحلقة الأضعف، ما جعل النصوص تفقد فعاليتها. وهنا يكمن جوهر المعركة: ليس في اختراع هويات جديدة، بل في فرض سيادة القانون. كما يتجلى ضعف الدولة في عدم القدرة على تبني سياسات إصلاحية شاملة تعتمد "التمييز الإيجابي" لتسريع فرص المساواة، عبر تعبئة الموارد في التعليم والتأهيل المهني ومحاربة الهشاشة، وخلق برنامج لمحو الفوارق والآثار النفسية لماضٍ ممض وحاضر لم تتبلور فيه عدالة اجتماعية تضمد الجراح وتفتح باب الأمل.

ورغم كل ذلك، يبقى الحديث عن "أقلية" بلا مقومات ثقافية مستقلة مجرد بناء نظري هش يُستخدم لأغراض سياسية. فـ "لحراطين" —بحكم التاريخ والجغرافيا— هم في صلب هذا النسيج؛ مواطنون كاملو الحقوق، لا يحتاجون إلى إعادة تعريف بقدر ما يحتاجون إلى إنصاف فعلي.

إن الإنصاف لا يُبنى على الامتيازات ولا على تقسيم المجتمع إلى "كانتونات" لونية، بل على سياسات تعالج الجذور: التعليم والاقتصاد والعدالة. أما ما يطرحه "الميثاق"، فلا يتجاوز كونه إعادة إنتاج للأزمة بلغة أهدأ.

والخلاصة الصادمة أن "ميثاق لحراطين" بات جزءاً من المشكلة لا الحل؛ فلم يقدم مشروعاً وطنياً أو يفتح أفقاً حقيقياً، بل ساهم في تعميق الانقسام، ومنح الشرعية لخطاب التمايز والشرائحية. وهو بذلك لا يخدم قضية العبودية، بل يفرغها من مضمونها القانوني ويحولها إلى وقود لصراع اجتماعي.

في دولة المؤسسات، لا يمكن التساهل مع خطابات تفكك المجتمع تحت أي مسمى. فالمعركة الحقيقية ليست بين مكونات المجتمع، بل بين دولة القانون ومنطق الفوضى المقنّعة بالشعارات، وبين الانتهازية والوطنية. وأي تهاون في هذا الخط الفاصل ليس سوى دعوة مفتوحة لانقسام لا نهاية له، وصناعة للوهم، وتفكيكٍ ممنهج للمجتمع

جمعة, 01/05/2026 - 08:22