مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

الدكتور غورمو عبدول لو يدون عن: التلبس الدائم وخطر الانحراف بدولة القانون

إن توقيف وإدانة نائبتيْن من المعارضة بعقوبات مشددة، على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي اعتُبرت جرائم في حالة تلبّس بموجب التشريعات المتعلقة بالجرائم السيبرانية وبالأخبار الزائفة، يثيران مسألة مبدئية تتجاوز بكثير حدود هذه القضية:

هل يمكن اعتبار بقاء المحتوى على الإنترنت بمثابة جريمة مستمرة لتبرير الاعتقال في حالة تلبّس، وبالتالي استبعاد الحصانة البرلمانية لصالح سلطة مطلقة للأجهزة الأمنية؟

إن الجواب، من الناحية القانونية، لا يحتمل أي لبس.

1. خلط بين الظهور والوقوع الفعلي للجريمة

في مجال الاتصال الموجّه إلى العموم، فإن الفعل المُجرَّم – على فرض ثبوته – يتمثل في إتاحة المحتوى لأول مرة للجمهور.

وعليه، فإن الجريمة بطبيعتها فورية: تكتمل بمجرد نشرها.

أما بقاء المحتوى لاحقًا على وسائل التواصل الاجتماعي فلا يشكل فعلًا جديدًا، بل هو مجرد أثر تقني ناتج عن طبيعة النشر الرقمي.

إن اعتبار هذا البقاء بمثابة جريمة مستمرة هو خلط بين وجود أثر ووقوع فعل.

2. التلبّس مفهوم استثنائي مؤطر بدقة

إن مسطرة التلبّس، في جميع الأنظمة القانونية، هي مسطرة استثنائية. فهي تجيز المساس بالحريات الفردية بحكم حالة الاستعجال، عندما تكون الجريمة في طور الارتكاب أو وقعت لتوّها في زمن قريب جدًا.

ولا يجوز توسيع هذا المفهوم خارج هذا الإطار دون أن يفقد مبرره.

إن قبول أن مجرد إتاحة محتوى على الإنترنت يكفي لاعتباره في حالة تلبّس يعني إقرار فكرة التلبّس الدائم، بما يسمح باعتقالات دون أي قيد زمني، لا استنادًا إلى لحظة وقوع الجريمة، بل إلى استمرارها التقني.

إن مثل هذا التصور ليس فقط محل نقاش، بل هو مخالف لأبسط مبادئ الإجراءات الجنائية.

3. مساس مباشر بالحصانة البرلمانية

إن اللجوء إلى مسطرة التلبّس في هذه القضية يترتب عليه أثر مباشر: اعتقال برلمانيين دون الحصول على إذن مسبق من الجمعية الوطنية.

غير أن الحصانة البرلمانية ليست امتيازًا شخصيًا، بل هي ضمانة مؤسسية أساسية تهدف إلى صون استقلال السلطة التشريعية وحرية التمثيل الوطني.

إن الالتفاف عليها عبر تأويل موسّع ومصطنع لمفهوم التلبّس يؤدي إلى تفريغها من مضمونها.

4. خطر سابقة ذات آثار مدمرة

إن المنطق الذي تستند إليه هذه المسطرة لا يقتصر على هذه القضية.

فإذا ما تم اعتماده، فإنه سيؤدي إلى نتائج غير مقبولة:

كل منشور على الإنترنت سيصبح قابلًا للملاحقة في أي وقت، وبشكل غير محدود؛

يمكن اعتبار نص منشور اليوم في حالة تلبّس بعد عقود طويلة؛

في مجال الصحافة، سيؤدي ذلك إلى القضاء على مبدأ التقادم؛

ستتضرر بشكل خطير الأمن القانوني للمواطنين؛

ستُفرَّغ الضمانات الإجرائية الدستورية والدولية من محتواها.

وفوق ذلك، فإن حرية التعبير، ولا سيما السياسية منها، ستصبح عرضة لتهديد دائم بحسب الظروف والتأويلات.

إن القانون لا يمكن أن يقوم في ظل الغموض أو في ظل توسيع غير محدود لمفاهيم استثنائية، دون أن ينزلق إلى حالة من انعدام الأمن القانوني الدائم، أي في نهاية المطاف إلى التحكم التعسفي.

5. ضرورة الحفاظ على تماسك القانون في العصر الرقمي

إن تطور التكنولوجيا يفرض بلا شك تكييف الأدوات القانونية. غير أن هذا التكييف لا يمكن أن يتم على حساب تشويه المفاهيم الأساسية.

فالتمييز بين الجريمة الفورية والجريمة المستمرة، وكذلك التعريف الدقيق للتلبّس، ليست مفاهيم نظرية مجردة، بل هي ضمانات عملية ضد التعسف.

6. خاتمة

إن ما هو مطروح، beyond الوقائع نفسها، هو مدى وفاء القانون لمبادئه.

إن بقاء المحتوى الرقمي لا يمكن أن يخلق استمرارية قانونية للجريمة.
وذاكرة الإنترنت لا يمكن أن تؤسس لتلبّس بلا نهاية.

وإلا، فإن الأمر لن يقتصر على حالات فردية، بل سيمس توازن دولة القانون برمتها.

وعليه، يتعين إحالة النائبتين إلى زميلاتهما وزملائهما، وترك الجمعية الوطنية تمارس صلاحياتها السيادية.

5 مايو 2026

ثلاثاء, 05/05/2026 - 15:41