مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

إلى المناضل الساموري ولد بي.. موريتانيا ليست رواندا/بقلم: إبراهيم خطري

في كل المجتمعات التي تحمل جراحا اجتماعية وتاريخية، يبقى النقاش حول العدالة والإنصاف نقاشا مشروعا وضروريا، لكن الخطورة تبدأ حين يتحول هذا النقاش من المطالبة بالإصلاح إلى إنتاج خطاب يزرع الخوف الجماعي ويهز فكرة الوطن المشترك..

وخلال الفترة الأخيرة تصاعدت بعض الخطابات السياسية والحقوقية التي تتحدث عن “حماية دولية للحراطين”، وتستدعي نماذج مأساوية مثل رواندا في توصيف الواقع الموريتاني، وهي مقارنات تبدو شديدة القسوة، ليس فقط لأنها تبالغ في توصيف الأزمة، بل لأنها تنقل النقاش من دائرة الإصلاح الوطني إلى منطق القطيعة والاتهام الوجودي للدولة والمجتمع..

لا أحد ينكر أن موريتانيا عرفت اختلالات اجتماعية وموروثات تاريخية معقدة، كما لا يمكن إنكار أن آثار الرق والتفاوت الاجتماعي ما تزال حاضرة بدرجات متفاوتة، لكن تحويل الدولة والمجتمع بالكامل إلى صورة "نظام عنصري مغلق" يتجاهل تحولات عميقة شهدها البلد خلال العقود الأخيرة، سواء على مستوى التشريعات أو المشاركة السياسية أو صعود نخب من مختلف المكونات إلى مواقع القرار..

فلحراطين ليسوا أقلية منفصلة عن الوطن، ولا جماعة تبحث عن اعتراف بوجودها، بل هم جزء أصيل من الهوية الوطنية الموريتانية، حاضرون في مؤسسات الدولة والجيش والإدارة والسياسة والاقتصاد والمجتمع.. ولذلك فإن الدعوة إلى "حماية دولية" لمكوّن وطني بهذا الحجم تحمل في جوهرها تشكيكا في الدولة نفسها، وتفتح الباب أمام تدويل أزمات داخلية يفترض أن تُعالج بالحوار والإصلاح والمؤسسات الوطنية..

إنّ الخطر الحقيقي على كيان الدول لا يأتي فقط من الفقر أو التهميش، بل يأتي أيضا من الخطابات التي تدفع المجتمع نحو الإحساس الجماعي بالخوف والانقسام وفقدان الثقة المتبادل، واستدعاء نموذج رواندا في الحالة الموريتانية ليس مجرد تحذير سياسي عفويا، بل استحضار لذاكرة الإبادة الجماعية بطريقة قد تنتج توترا نفسيا وسياسيا خطيرا داخل مجتمع لم يعرف تاريخيا حروبا أهلية قائمة على الإبادة بين مكوناته..

موريتانيا ليست دولة مثالية، لكنها أيضا ليست دولة فصل عنصري، ولا مشروعا للكراهية الجماعية، إنها دولة تواجه تحديات تاريخية واجتماعية حقيقية، وتسير -ببطء أحيانا- في مسار إصلاح يحتاج إلى النقد المسؤول، وتعزيز المواطنة، وترسيخ العدالة، لا إلى خطاب التخويف والتفكيك..

فالعدالة لا تُبنى بصناعة الضحايا والجلادين، ولا بتحويل مكونات المجتمع إلى معسكرات متقابلة، وإنما ببناء دولة قانون يشعر فيها الجميع أنهم شركاء في الوطن والمستقبل.

 

ثلاثاء, 12/05/2026 - 12:33