
قال الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف في تدوينة له: "يبدو أن مهرجان العاشر من مايو قد أصبح بالفعل أحد أبرز الأحداث السياسية في موريتانيا المعاصرة. فقد كشف عن حالة الإنهاك العميق التي أصابت نظامًا قائمًا على احتكار السلطة، وتركيز الامتيازات، وإدامة الانقسامات الاجتماعية. وعلى مدى عقود، سعى هذا النموذج السياسي إلى إحلال منطق الولاء محل مبادئ المواطنة، والمصالح الخاصة محل المصلحة الوطنية، وضمان بقاء جهاز الهيمنة بدل بناء مشروع وطني جامع وحقيقي.
غير أن الدلالة الأهم لهذا الحدث تكمن أساسًا في أنه أثبت أن الشعب الموريتاني، رغم الانقسامات المصطنعة وآليات التفكيك الاجتماعي، لا يزال يحتفظ بوعي وطني حيّ. لقد أظهر العاشر من مايو أن محاولات التفريق لم تنجح في القضاء على القدرة العميقة على التلاحم، ولا على إرادة استعادة المصير الجماعي، ولا على التطلع المستمر إلى الكرامة السياسية. وهكذا تجاوزت هذه التعبئة حدود الاحتجاج العابر لتتحول إلى حدث تاريخي حقيقي.
كما كشف هذا التجمع عن تحول مهم في العلاقة بين المجتمع والسلطة. فعندما يتحرك شعبٌ ما بإرادته الحرة، بعيدًا عن الإكراه وشراء الذمم وآليات الزبونية التقليدية، فإنه لا يعبّر فقط عن حالة سخط، بل يؤكد أيضًا إرادةً للاستقلال السياسي. وهذه الإرادة المستقلة تُعدّ غالبًا من أولى علامات إنهاك الأنظمة القائمة على الهيمنة والاستحواذ على الدولة.
ويبدو أن السلطة الحالية قد بلغت اليوم نهاية دورتها التاريخية، بعد أن أنهكتها عقود من الحكم القائم على الإقصاء والافتراس واستنزاف الموارد السياسية والاقتصادية والأخلاقية للبلاد. وبعد نصف قرن من السيطرة، يبدو هذا النظام وكأنه يعيش لحظاته الأخيرة، وقد التهمته تناقضاته الداخلية، وأصبح عاجزًا عن إنتاج نفس سياسي جديد أو اكتساب شرعية جديدة.
وفي هذا السياق، تتحمل المعارضة اليوم مسؤولية سياسية وتاريخية كبرى، تتمثل في الحفاظ على المبادرة التي انتزعتها من خلال تعبئة العاشر من مايو، والعمل على ترسيخها. فديناميكية شعبية بهذا الحجم لا يمكن تركها عرضة للفتور أو التشتت، بل ينبغي تعزيزها وتنظيمها عبر حضور دائم في الفضاء العام: من خلال المهرجانات الجماهيرية، والمؤتمرات الصحفية، والندوات، والتجمعات المدنية، وحملات التوعية السياسية.
ولا يقتصر الهدف على الحفاظ على زخم التعبئة فحسب، بل يشمل أيضًا ممارسة ضغط سياسي متصاعد على سلطة باتت هشة، بما يكشف تناقضاتها وإخفاقاتها وعزلتها المتزايدة. ففي مراحل نهاية الدورات التاريخية، غالبًا ما يشكل استمرار الضغط الشعبي والسياسي العامل الحاسم الذي يسرّع سقوط الأنظمة المنهكة ويفتح الطريق أمام إعادة بناء وطنية جديدة، تقوم على المواطنة والعدالة والوحدة.


.gif)

.jpg)


.jpg)