
لاشك أن أن أزمات الهوية و الإنتقال الديمقراطي قد أدي بالفعل إلي إبراز ظاهرة تراجع و عزوف بعض النخب السياسية و الحقوقية عن تبني الخطاب الوطني الجامع لصالح ولاءات ضيقة عرقية أو شرائحية ،
و هو ما يمكن وصفه بفقدان البوصلة الوطنية .
لعل ذلك ما دفع بجزء من نخبنا السياسية و البرلمانية و الحقوقية إلي التخلي عن الخطاب الجامع مقابل إظهار الولاء للإنتماء العرقي و الشرائحي بدل الوطن .
و علي نحو غير مسبوق كرس للتحدث بإسم شريحة واحدة دون غيرها و الإستثمار في العصبيات و المظالم الاجتماعية التاريخية علي حساب المصلحة الوطنية العليا ،
كبديل لخطاب المواطنة ،
مما قد يحول التنوع العرقي و الثقافي من مصدر ثراء إلي فتيل للنزاع و الفوضي العارمة .
و هو ما يطرح إشكالية تسييس الهوية و الإستثمار في المظالم علي حساب المصلحة الوطنية العليا.
فحينما تتقوقع النخب ( سياسية أو برلمانية أو حقوقية ) داخل شرنقة الفئوية و الشرائحية أو إثنية واحدة ،
فإنها تساهم بقصد أو غيرها قصد في إضعاف مفهوم الوطن الجامع .
بحيث يمكن تحليل الوضع من خلال النقاط التالية : -
1 - تآكل المشترك الوطني : عندما يتم إستحضار المظالم التاريخية ليس بهدف الإنصاف الشامل و جبر الضرر ،
بل كأداة للمزايدة السياسية يتحول الخطاب من خطاب حقوقي جامع إلي خطاب فئوي شعبوي ينمي الشعور بالإنفصال لا بالإنتماء .
2 - الوطن الجامع كحقيقة لا كشعار : الوطن الجامع يُبني علي المواطنة الكاملة المتساوية لا علي التخادم الفئوي و الشرائحي القائم علي المنفعة .
حينما تغيب رؤية شمولية تحقق التنمية و العدالة للجميع ، تتحول الدولة إلي مساحة لتنازع المصالح الضيقة .
3 - نخب الإرتزاق الحقوقي : هناك فرق بين النضال الحقوقي النبيل لرفع المظالم و بين الإستثمار فيها للبقاء في المشهد السياسي .
هذا النوع الأخير يقتل الوطن ، لأنه يحتاج لإستمرار المظلمة لضمان استمرار نفوذه .
أين الوطن الجامع إذن ؟!
الوطن الجامع يظل مشروعا معطلا طالما أن النخب السياسية لا ترتقي بخطابها و ممارستها لتشمل جميع المواطنين،
حيث أن الوطن الجامع ليس ترفا بل هو ضرورة لوجود الدولة و إستقرارها،
و أي استثمار في المظالم لخدمة آجندات ضيقة هو تقويض لأساسات هذا الوطن ،
الوطن الجامع يغيب عند ما تصبح النخب ممثلة للمصالح لا ممثلة لكافة الشعب الواحد .
الوطن يقوي و ينهض حين يختار ابناءه أن يكون جزءا من الحل لا مجرد شهود علي المشكلة .
لكي نحصل علي وطن جامع لا بد من تبني قيم المواطنة الإيجابية و تعزيز التكافل الاجتماعي و تجاوز العقليات الإنغلاقية و تَبَنِي سياسات بناء شاملة و ناجعة .
إن الدعوة إلي الإستقواء بأطراف خارجية ضد أبناء الوطن و التذرع بحماية مكونة اجتماعية غير مهمشة بشكل ممنهج تتمتع بكل الحقوق و الواجبات كغيرها من مختلف مكونات الشعب ،
هو إستراتيجية تُستخدم غالبا لخلق الفتنة أو للتدخل في الشؤون الداخلية تحت غطاء حقوقي،
وهي مرفوضة وطنيا لأنها تقوض السلم الأهلي و النسيج الاجتماعي.
كما تعتبر من منظور وطني تصرفا يتجاوز الخلافات السياسية المشروعة ليصل إلي تهديد جوهر الوحدة الوطنية و الخروج علي دعائم الأمن القومي .
هذا السلوك يساهم في تعميق الإنقسامات بين أبناء الوطن الواحد و يحول الخصومة السياسية إلي صراع وجودي يضر بالسلم و التعايش المشترك.
في حين تشير كل المواثيق الوطنية و الأعراف السياسية في معظم دول العالم إلي أن الحوار الداخلي هو السبيل الوحيد لتجاوز الخلافات و حل المظالم الاجتماعية التاريخية .
و أن الإستعانة بالخارج ضد طرف وطني آخر هو تجاوز للخطوط الحمراء .
من جهة أخري يعتبر الإستقواء بالخارج في ظل عدم تهميش حقيقي عملا غير مشروع يهدف إلي إثارة الفتنة أو تحقيق مكاسب خاصة غير مستحقة و هو ما يتنافي مع مبادئ المواطنة المتساوية .
الإنتقال من الفئوية و الشرائحية إلي دولة القانون و المواطنة،
يتطلب إرادة سياسية حقيقية من أجل فرض هيبة الدولة بالعدالة الإجتماعية و عبر وعي مجتمعي و تطبيق صارم للقانون .
إن الولاء للشرائحية و الفئوية يضعف الدولة،
بينما الولاء للوطن يقويها و يحقق النهضة المرجوة .
الحل يكمن في خلق توازن يضمن العدالة للجميع ،
و يجعل المواطنة هي الأساس الوحيد للحقوق و الواجبات،
فالمظالم التاريخية ينبغي أن تُعالَج في إطار وطني بمعني ( الدولة الحاضنة للجميع ) لا في إطار إنتقامي أو فئوي أو شرائحي هدام .
ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضي هو خطاب جامع و سماع بعضنا البعض و إغتنام فرصة الحوار الوطني المرتقب الذي سبق و أن تعهد به فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.
ضمن برنامجه الإنتخابي .
و الجلوس معا علي طاولة حوار وطني شامل وجامع جاد مبني علي المصارحة و المكاشفة و معالجة كل الإختلالات و الإشكالات و مواجهة القضايا الوطنية العالقة بالحلول لا بالتجاهل و النكران ،
و تقديم التنازلات المؤلمة من أجل مصلحة الوطن و ذلك بتغليب منطق المواطنة الصالحة و المخلصة علي تراهات المصالح الضيقة .
و ردم الهوة التي أنشأت بين مختلف مكونات المجتمع .
كما نحتاج أيضا إلي تقريب التباعد و بث رسائل التقارب و التصدي بكل قوة و حزم لما نلاحظه من حين لآخر من داخل البرلمان وفي الشارع و عبر منصات و وسائل التواصل الإجتماعي من إنتشار غير مسبوق لخطاب الكراهية و التحريض العنصري و إثارة النعرات العرقية بشكل لا يخدم أمن و إستقرار البلد ،
و لا التعايش الأهلي السلمي .
و ضرورة تدارك الوضع قبل فوات الأوان .
و العمل سويا قصد فرض هيبة الدولة بالعدل و القانون علي نحو يعزز قيم الولاء و الإنتماء للوطن ويقوي اللحمة الوطنية و يكرس دولة المواطنة و المساواة و يحقق العدالة الإجتماعية و يجسد التقسيم العادل للثروات بشكل تعم فيه الرفاهية و تذوب فيه كل الفوارق الإجتماعية.
تأسيسا لما سبق فإن ما يجمعنا هو ثوابت و قيم وطنية و دينية و أصول ثابتة تندرج ضمن روابط و قواسم كبيرة مشتركة وجامعة .
في حين يبقي ما يفرقنا هو حالات فرعية و خلافات آنية عابرة و قضايا تم تضخيمها و توظيفها بشكل سيئ و خاطئ أساء للوطن و خدم آجندات خارجية تتربص بوحدة و إستقرار البلد و النيل من ثوابته الوطنية .
لكن هيهات!!!
الوطن أمانة في اعناق أبنائه جميعا .
حفظ الله موريتانيا



.gif)

.jpg)


.jpg)