مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

جنرال متقاعد يدون عن "المأساة السياسية الموريتانية"

قال الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف في تدوينة له: "إنّ المأساة الموريتانية لا تكمن، على الأرجح، في مجرّد استمرار نظام سياسي بعينه، بقدر ما تكمن في التحوّل التدريجي للاستثناء السلطوي إلى حالة طبيعية مألوفة داخل الوعي الجماعي. فعندما تعتاد المجتمعات غياب التداول الحقيقي على السلطة، وعندما يصبح تركيز النفوذ في يد فئة محدودة ممارسةً مؤسساتية عادية لا تُثير الاستغراب، وعندما يفقد المواطن إيمانه بإمكانية إصلاح الدولة أو تغيير مسارها، فإنّ الاستبداد يبلغ مرحلته الأكثر اكتمالاً: المرحلة التي لا يكتفي فيها بالهيمنة على المؤسسات، بل يمتدّ ليحتلّ العقول ويعيد تشكيل المخيال الجماعي ذاته.

فالسلطة الاستبدادية لا تستمرّ طويلاً بالقوة المجردة وحدها، ولا بالأجهزة الأمنية فحسب، بل تستمدّ قوتها الحقيقية من قدرتها على إنتاج ثقافة الاستسلام، وترسيخ الاعتقاد بأنّ البديل مستحيل، وأنّ المعارضة عبث، وأنّ النظام القائم هو الأفق الوحيد الممكن. وعند هذه النقطة، لا يعود الاستبداد ظاهرة سياسية فقط، بل يتحول إلى بنية نفسية واجتماعية ورمزية تُعيد تعريف علاقة المجتمع بالممكن، وتختزل الأمل الديمقراطي في فكرة بعيدة تكاد تكون مستحيلة التحقق.

وهنا تحديداً تتجلّى المأساة الموريتانية المعاصرة: في هذا التحول البطيء للجمود السياسي إلى قدر وطني مفروض. فالدول لا تدخل طور الانحدار الحقيقي عندما تواجه الأزمات أو الاضطرابات السياسية، بل عندما تفقد تدريجياً قدرتها على الإيمان بإمكانية تحوّلها التاريخي. عندما يتوقّف المجتمع عن انتظار العدالة والمساواة والتمثيل الحقيقي من الدولة؛ وعندما تكفّ الأجيال الشابة عن النظر إلى السياسة باعتبارها مجالاً للتحرّر والمشاركة، لتراها فضاءً مغلقاً تحتكره دوائر النفوذ؛ وعندما تنكفئ النخب الفكرية إلى الصمت أو التكيّف أو المنفى الداخلي، فإنّ الأزمة تتجاوز حدود السياسة لتغدو أزمة حضارية شاملة.

ومع ذلك، فإنّ أيّ هيمنة ليست أبدية ما دامت هناك إرادة نقدية قادرة على تسمية الظلم، وفضح احتكار السلطة، والتذكير بأنّ أيّ مجتمع لا يمكن أن يحقق نهضة حقيقية في ظلّ الخنق السياسي وإقصاء الإرادة الشعبية. لقد أثبت التاريخ أنّ أكثر الأنظمة انغلاقاً تصطدم في نهاية المطاف بالتطلعات العميقة للشعوب نحو الكرامة والحرية والمشاركة. غير أنّ هذا التحول لا يمكن أن يتحقق من دون قطيعة فكرية تسبق التحول السياسي نفسه: قطيعة مع التطبيع مع اللاطبيعي، ومع تحويل الخوف إلى فلسفة حكم، ومع الخلط بين الاستقرار والجمود.

ومن هنا، تصبح الفكرة النقدية نفسها شكلاً من أشكال المقاومة التاريخية. فالدفاع عن الديمقراطية في موريتانيا لا يعني فقط المطالبة بانتخابات أو إصلاحات دستورية، بل يقتضي إعادة بناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على المواطنة، والمسؤولية العمومية، وسيادة الإرادة الشعبية. كما يقتضي استعادة مفهوم الدولة بوصفها ملكاً مشتركاً للأمة، لا ملكية خاصة تحتكرها أوليغارشية سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.

وفي العمق، فإنّ الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في تغيير نظام حكم، بل في إعادة مصالحة موريتانيا مع فكرة الحداثة السياسية نفسها: حداثة يصبح فيها الحكم وسيلة لخدمة المجتمع لا غاية في ذاته؛ حداثة تستمدّ فيها السلطة مشروعيتها من إرادة المواطنين الحرة، لا من القوة أو الولاء أو الاحتكار؛ وحداثة تُنظر فيها إلى التعدد الاجتماعي والثقافي باعتباره مصدر غنى ورافعة لبناء مشروع وطني جامع، لا تهديداً ينبغي تطويقه أو إخضاعه.

ولهذا، فإنّ مواجهة الاستبداد تبدأ أولاً برفض الاستسلام، وبرفض تحويل العجز إلى قدر، وبرفض مصادرة المستقبل. فكل مشروع ديمقراطي حقيقي لا يمكن أن يقوم إلا على الإيمان بأنّ الشعوب، مهما طال خضوعها، تظلّ قادرة على استعادة صوتها وصناعة تاريخها من جديد.

سبت, 23/05/2026 - 11:39