
اتراهو:
"أذا خرجت من هنا قتلناك؛ وإذا خرجت من هناك قتلناك"
(مقال تحليلي استشرافي حول "حرب الاستئناف" المتلكئة)
الدكتور محمدو ولد احظانا
تمهيد:
عندما تُكٌدِي حروب "اتراهو" ضد دول الخليج كلها، وتتوقف. عجزا عن استمرارها، سأخصص مقالا أو مقالين أجيب فيهما على بعض الأسئلة والاهتمامات الواردة من قراء هذه الصفحة الكرام، مثل:
- لماذا أهتمُّ- إلى هذا الحد- بقضيتي غز.ة و التوسع الصهيوني في الضفة وسوريا ولبنان، و كوابيس إسرائيل "الكبيرة"، من جهة؛ وحروبها الأخيرة بالساعد الأميركي ضد دول الخليج (12\40)، من جهة أخرى؟
وسأركز في المعالجتين المنتظرتين على الموافقات المتعلقة بالتوقعات التي صدقتها الأحداث اللاحقة، سواء تطابقت تطابقا تاما مع ما جرى بعد، مثل توقعي لاغتيال الآميركيين للخامنئ واستهداف خلفه؛
أو بنسب عالية مثل توقعي لاغتيال مادورو الذي أصبح اختطافا مهينا، ربما أسوأ من القتل..
أما اليوم فسأجيب على سؤال واحد وهو:
- لماذا يصبح اترامب مضطربا إلى هذا الحد الخطير، متعاظم المطالب إلى هذا الحد المحرج؟!
معالجة:
"قَمْلة الراوية"
كانت ندرة الماء في أغلب مناطق موريتانيا سببا لعطش الكثيرين في فصول الجفاف. وكانت الأمهات إذا أبطأت الراوية التي تجلب الماء شاغلن الأطفال عن ظمئهم بأخذ قملة ووضعها على أرض مسطحة، وغمرها بربوة صغيرة من الرمل.. يتحلق حولها الأطفال، وهم يصيحون:
- إن خرجت من هنا قتلناك، وإن خرجت من هناك قتلناك..
حتى إذا خرجت القملة من ضيقها لتتنفس الهواء أعادوها إلى حيث كانت.
ولا يزالون يعيدونها هكذا.. حتى ينسى الأطفال عطشهم، أو تأتي الراوية.
هذا المثال المحلي يصدق على حالة اترامب اليوم، فهو حبيس دائرة ضغط من أطفال السياسة وسفهائها ومجرميها، حبسوه في حمأة حرب خاسرة لا طاقة له بها ولا طائل من ورائها، وصاروا يتصايحون عليه من كل الجهات:
"إن خرجت من هنا قتلناك، وإن خرجت من هناك قتلناك"..
فمن هؤلاء؟
حلقة السفهاء
- أول هؤلاء المتحلقين على محبس اترامب الحارق مجرم حرب الإبادة المطلوب للعدالة الدولية النتن.. ياهو.. الذي انهار برلمانه من تحت قدميه، وهو يجالد الآن للعودة "الأبدية" إلى رئاسة الوزراء.
- الثاني "الآيباك" (لوبي الصهيونية العالمية في آميركا) الذي بدأت الأرض ترتج تحت سياسته التي كانت مخفية وصارت معلنة: "إسرائيل أولا، لا آميركا". تهتز بصورة زلزالية عنيفة وذلك تبرما من تسخير هذا اللوبي للكونگرس والحكومة الآميركيين لخدمة النتن.. ياهو وعبادته الشخصية ورعاية كوابيسه التوسعية، وإرجاعها إلى ماورائيات وهمية.
- وكلاء الكيان في مجلسي الشيوخ والنواب، ممن نجحوا بمال اللوبي الصهيوني، وارتهنوا أنفسهم بالفضائح الموثقة من إيبستين ومن غيره، و من مجندي الصهيونية الأخفياء.
- بعض المؤيدين لاستمرار الحرب المجنونة إلى غاية "الانتصار النموذجي" على النظام الإيراني، وتفكيك دولته، واستعماره بشكل مباشر، وتكرار ذلك في الجوار العربي.
فبماذا نفس اترامب المحاصر بالغوغاء في حفرة النار، عن صدره الحرج؟
العمى الاستراتيجي:
أمس قلت لكم إن ثمة لوحة سريالية يطبعها الارتجاج والتردد، وضبابية الرؤية والارتباك.
والبارحة اشتد صياح المعارضين لإيقاف الحرب على ُالمحاصَر اترامب:
- "إن خرجت من هنا قتلناك؛ وإن مرجت من هناك قتلناك".
فتراجع رعبا عن إطلالته من تحت ربوته الحارقة وتبشيره المبتسر ب "اتفاق وشيك في مصلحة آميركا ومنطقة الشرق الأوسط"، بعد أن استخدم عرابُه النتن.. "حقه" في نقض قرارات رئيس الولايات المتحدة العظمى، فأعاد اترامب مذموما مدحورا إلى أتون حربه المكلفة الفاشلة.
لكن النتن خفف على مرؤوسه بأن منحه تصورا يلهى به تضخم أناه، ويعلقه برقعا أحمر لصرف ثيران المصارعة الصحفيين عن "جلالته"، وهو:
- "ما دمت قد عجزت عن تحصيل القليل من حربنا المشؤومة فاطلب الكثير".
ثم زوَّده -بعد ذلك- بطلب مستحيل إلى الآن، وهو:
- "ارهن المنطقة كلها بالتطبيع القسري المذل مع كياننا حتى ينسى الجميع فلسطين التي هي سبب كل الكوارث، فنعاوض إيقاف الحرب الحالية بالتنازل عن الأهم، وعن غيره من أراض محتلة، ونحقق بالابتزاز مالم يتحقق بالقتال."
قصدُ النتن.. من هذا الطرح ليس تحقيق التطبيع فهو لا يريده الآن؛ بل لتستمر الحرب إلى غاية القضاء المبرم على كل الأنظمة في الشرق الأوسط، مطبِّعة قبل غير المطبعة. فلو تحقق التطبيع فرَضا فلن يعدم النتن.. مطلبا أبعد من هذا، ولو كان أكثر استحالة.
حساب الربح والخسارة:
هل يمكن لدولة مثل السعودية مثلا أن تطبع الآن مع إسرائيل، كما هو مطلوب حاليا من اترامب؟ الذي لا يبالي بمصالح حلفائه العرب، ولا بإكراهاتهم، ولا بالتزاماتهم، ولا بحمايتهم؟
لا أرى ذلك ممكنا لثلاثة أسباب:
1- أن المملكة العربية السعودية أبانت عن موقف مبدئي أصيل تجاه القضية الفلسطينية. وكسبت بذلك تعاطفا واسعا في الشعوب العربية والإسلامية؛ بل إنها دفعت المال لترامب درءً للتطبيع، و "الفضة لا تؤكل مرتين." كما يقول المثل الموريتاني.
2- أن النتن.. يقود نظاما متهالكا مفلسا، عالميا وإقليميا وإنسانيا. ومن ربط نفسه بتطبيع مع حكومة هذا الكيان فقد شرع كل جرائمها، واحتضن كائنا مضرجا بدماء إبادته، مجانا. وهذه سفاهة لا يقبلها رشيد ولا حتى سفيه. مع أن أية نتيجة متعلقة بالنتن.. ياهو غير مضمونة الجدوى لأنه ينتهج سياسة انتهازية لا تشبع: "خذ، واطلب المزيد أو اغتصبه، ولا تعط أي شيء".
لذا فالخسارة واضحة دنيا وأخرى من أي تطبيع مع كيان مجرم منبوذ عالميا وإنسانيا.
3- تعتبر المملكة الآن متعلق أمل للشعوب الإسلامية والعربية، وأتصورها واعية لذلك. وولي عهدها الحاكم بحاجة إلى مؤازرة عربية وإسلامية عموما و من الشعب السعودي الشهم الغيور على القضية الفلسطينية، خصوصا..
وهذه الخلفية هي التي تضمن لولي العهد السعودي مستقبلا سياسيا مكينا وشرعية جماهيرية راسخة. وإخاله ذكيا بما يكفي لإدراك هذه المسألة وعدم التفريط في الفرصة الذهبية الأقل تكلفة، ضمانا لمستقبله السياسي الوطني والعربي والإسلامي.
ولا أتصور أن عاقلا يضحي بمستقبله وسمعته، والتزامه الأخلاقي والديني، وواجبه الحضاري.. ليرهن نفسه في محبس معزول مع مجرم حرب مطلوب للعدالة الدولية دون أي مبرر أو فائدة.
في النهاية:
يبدو لي أن اترامب لابد أن أن يعود إلى مائدة المفاوضات في النهاية، ويوقع على اتفاق مع إيران كابرا أو صاغرا، حتى ولو رفس في كل الجهات، وزمجر بكل الأصوات، وطوى ملامحه ونشرها في كل الاتجاهات.. وحتى لو عاد إلى الضربة المؤقتة.. فسيتوب منها ويثوب.
لقد خسر اترامب، بل اتراهو حربه على إيران عندما لم تنهزم أمامه من أول ضربة. و كلما يفعله الآن وينويه مستقبلا إنما هو تحرير مزيد من سُحب الدخان عبر عوادمه، و الصياح العالي للتغطية على هزيمته المنكرة.
لقد ذكرت في مقال سابق أن بريطانيا العظمى وفرنسا فقدتا عظمتها بسبب ممر مائي هو قناة السويس، وأتوقع الآن أن تفقد آميركا جزء معتبرا من عظمتها بسبب ممر مائي آخر غير بعيد هو ممر هرمز.
والأيام بيننا.


.gif)

.jpg)


.jpg)