
كتب الوزير السابق للمالية سيد أحمد ولد ابوه: " هكذا كانت آخر فصول القصة،(٢)
في الثامن والعشرين من مايو 2025 أي يوما واحدا قبل الاقتراع لانتخاب رئيس جديد للبنك الأفريقي للتنمية كانت على جدول أعمال مجلس المحافظين نقطة واحدة وهي الاستماع إلى المرشحين الخمسة ليقدم كل واحد منهم عرضا لبرنامجه قبل أن يتناول ثلاثة مباحث سبق وأقرها المجلس وهي صمود الاقتصادات الإفريقية، الاندماج الإقليمي وأخيرا القطاع الخاص. لكل مرشح 45 دقيقة وقد تم استدعاء المرشحين الخمسة إلى قاعة محاذية لقاعة اجتماعات المحافظين وسحبت منهم هواتفهم ولم يسمح لأي شخص بدخول القاعة. كان ينادى على المترشحين حسب الترتيب وفقا لتاريخ إيداع ملف الترشح ما يعني أن مرشحنا كان هو الأخير الذي نودي عليه لأننا أودعنا ملف ترشيحنا يوم 29 يناير وهو آخر أجل لإيداع الملفات (كلما شعرتُ بالإرهاق والضجر كنت استحضر مفتي الوكالة الموريتانية للأنباء بخصوص تغطية إيداع الملف فانفجر ضحكا، سأحكي قصته لاحقا) طبعا لم يكن بإمكان المرشحين الاطلاع على أداء زميلهم حين ينادى عليه إذ كانت الشاشة في قاعتهم معطلة.
حين نودي على مرشحنا دخل بدون أي ورقة ومباشرة بدأ عرضا متماسكا وقويا لرؤيته لقيادة البنك عبر ركائز أربعة بلور حولها مقاربته وكان يتنقل بسلاسة في عرضه بين الفرنسية والإنجليزية وبعد الانتهاء من هذه المكونة من المقابلة بدأ الأجوبة ببسط الحديث عن المباحث آنفة الذكر، كنتُ أنتشي فرحا ليس لأني اكتشف مع بقية المحافظين قدرات وكفاءة مرشحنا فأنا ملم بشكل جيد بكفاءة الدكتور سيدي في الحقل الاقتصادي والمالي (وفي حقول أخرى ما شاء الله) ولكن لأني كنت رفقة المحافظ المساعد أخي محمد سالم ولد الناني نرقب تفاعل القاعة وخاصة على مستوى بعض الوفود التي نعرف أنها تدعم منافسين لنا وكان المشهد حقيقة مدعاة للفخر، إنه موريتاني يبدع في منافسة دولية ضد أربعة منافسين من أكثر أطر القارة كفاءة وضجت القاعة بالتصفيق استحسانا للأداء الرائع.
قبل الحصة المسائية ( الاستماع للمرشحين) حصل في حدود منتصف النهار أمر جلل كاد يبعثر أوراقنا كلها فقد تحدثت مع أحد المحافظين (وزير مالية بلد محوري) وبادر بسؤالي كيف تسير أموركم؟، قلت هي أمورنا معا فبدعمكم سنفوز بحول الله. جوابه كان مفاجئا وصاعقا: نحن سنصوت لمنافسكم فلان وربما إذا خرج من السباق في شوط لاحق سنصوت لكم. بادرت بالاتصال بانواكسوط على وجه السرعة لإبلاغ فخامة الرئيس قبل أن يدخل إلى قاعة مجلس الوزراء (يومها وبسبب هذا الطاريء لم ينعقد مجلس الوزراء إلا الثانية والنصف ظهرا). ما إن أخبرت فخامة الرئيس أن عندي خبر غير مطمئن حتى انطلقت واحدة من أكثر العمليات الديبلوماسية تعقيدا ونجاعة وقد باشرها شخصيا فخامة الرئيس ليتصل بي حدود الثانية وعشرون دقيقة مطمئنا حين خاطبني: كل شيء تمام والحمد لله أن وصلنا الخبر في الوقت المناسب، نتمنى سماع أخبار مطمئنة من عندكم مستقبلا.
بعد الحصة المسائية الطويلة استأنفت مع سيدي اتصالاتنا بالمحافظين وعقدنا جلسة مهمة بطلب منا مع محافظ بلد مركزي ووفده و لم نتمكن من انتزاع موقف داعم مع أن المحافظ المذكور أبقى على الباب نصف مفتوح.
في التاسعة ليلا تفاجأنا بنفس الوفد يطلب لقاءنا فتوجهنا إليه ولكن المفاجأة كانت حين ظل يناور في منطقة اللا قرار ما دفع سيدي لتوجيه سؤال مباشر له: نحن نتوجه إلى انتخابات بعد أقل من عشر ساعات فهل ستصوتون لنا، نحتاج نعم أو لا كإجابة؟ تلعثم المحافظ المذكور وربح الوقت ليس إلا. حين غادرنا هذه الجلسة وفي المصعد خاطبتُ سيدي قائلا : لم أتعرف عليك قبل قليل وأنت تطرح على الرجل سؤالاً مباشرا ليجيبني بدعابته (لا يعرف الكثيرون أن الرئيس الحالي للبنك الإفريقي صاحب دعابة): لقد تخرجت فأنا معك منذ شهور عديدة واكتشفت أن بعض المواقف لكي تحسم ينبغي تجنب "التگيدي" في إشارة لثقافة منطقة اگيدي الهادئة والبعيدة من التصريح.
كان هذا الوفد يصر على صفقة وكنا مستعدين ولكن بضمانات. سأتحدث عن الصفقات التي أبرمنا غدا والدور البارز لمعالي وزير الخارجية أخي محمد سالم ولد مرزوگ. يتواصل


.gif)

.jpg)


.jpg)