مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

إرث المظالم الاجتماعية التاريخية ومخلفات الرق بين تيه الخطاب الموحد وغايات التوظيف السياسي والاسترزاق الحقوقي/بقلم: ابايه ولد اداعة

تتسم معالجة مخلفات الرق وتصحيح المظالم التاريخية في موريتانيا بتعقيدات هيكلية متشابكة، 
تبرز هذه الإشكالية عبر تشتيت الرؤي بين الطروحات الحقوقية الراديكالية و مقاربات الإصلاح التدريجي و غياب الخطاب الموحد الذي يعيق صياغة مشروع وطني شامل .
كما يساهم تفشي الفساد في هدر الموارد المخصصة لبرامج الدمج .
مما يؤدي إلي اتساع الفجوة و تزايد معدلات الفقر و تراجع كفاءات الخدمات العامة فضلا عن تكريس المحسوبية و تكافؤ الفرص لصالح أصحاب النفوذ بدلا من ذوي الكفاءات من أبناء الطبقات الهشة ،
في حين يؤدي التوظيف السياسي للملف إلي تحويل قضايا العدالة الاجتماعية إلي أوراق مساومة ، مما يزيد من الإنقسامات و يعمق الفجوة بين الشعارات التنموية و الواقع المعاش ،
و يفرز كيانات تسعي للإسترزاق و الإبتزاز الحقوقي الذي يتخذ من هذه المعاناة مطية لتحقيق مكاسب سياسية أو مادية ضيقة عبر المزايدة الإعلامية و تأجيج النعرات بدلا من تقديم حلول جذرية .
لاشك أن الإسترقاق كان ظاهرة تاريخية مؤلمة خلفت تركات اقتصادية و اجتماعية و نفسية عميقة في العديد من المجتمعات، 
و الإعتراف بهذا المظالم الإجتماعية التاريخية و العمل علي محو آثارها و معالجة الفوارق الناتجة عنها هو حق و واجب ديني وطني أخلاقي و قانوني ،
تقع المسؤولية فيه بدرجة أولي علي عاتق الدولة و المجتمع ثانيا ،
بحيث تقع علي عاتق المؤسسات الرسمية مهمة إنقاذ الترسانة القانونية التي تجرم الممارسات الإستعبادية و تعتبرها جريمة ضد الإنسانية بالإضافة الي إطلاق برامج تنموية تستهدف الفئات الهشة قصد تحقيق العدالة الإقتصادية و الإجتماعية. 
بينما تضطلع النخب و الفاعلون السياسيون و منظمات المجتمع المدني بدور محوري تكاملي في نبذ الموروث الاجتماعي السلبي حيث يمثلون قوة التغيير الجذري القادرة علي إحداث التحول الإيجابي المستدام عبر صياغة سياسات واعية ،
تعزيز الوعي المجتمعي و تكريس قيم المواطنة و العدالة الاجتماعية لمحاربة كل اشكال التمييز و تفكيك الخطابات التقليدية البالية من خلال وسائل الإعلام  و نشر ثقافة حقوق الإنسان التي تؤكد علي مبادئ التسامح و المساواة .
مع ضرورة انصهار كل الجهود في مشروع وطني جامع يهدف إلي ردم الفوارق و ترسيخ مفهوم المواطنة و تعزيز اللحمة الوطنية ، 
و علي نحو يضمن عدم تحميل افراد أو شريحة واحدة مسؤولية إرث تاريخي شاركت فيه ظروف و مراحل مختلفة من تاريخ الوطن .
تمثل العبودية في المجتمع الموريتاني إشكالية تاريخية معقدة ،
تتجاوز حدود شريحة معينة لتشمل كافة المكونات القومية و الإثنية. 
بالفعل ساهمت البنيات الاجتماعية التقليدية و التراتبية التاريخية في بروز تفاوتات معقدة و مستويات متباينة من التهميش، 
طالت مختلف المكونات الاجتماعية سواء في الوسط العربي البربري أو داخل مجتمع الزنوج .
و يثير غياب التركيز الحقوقي علي ممارسات الإسترقاق داخل المكونات الزنجية التي وصل مستوي حجم التراتبية فيها إلي حد الفصل المكاني في المقابر بين الأسياد و العبيد ،
تساؤلات حول التمايز و التباين في التعامل معها و إزدواجية المعايير في التعاطي مع القضايا الحقوقية الوطنية .
و هو ما يؤكد عدم سلامة و شفافية و نزاهة و صدق عمل بعض الجمعيات  الناشطة في مجال حقوق الإنسان.
حيث تٓرٓكزٓ إهتمامها بشكل مكثف علي تسليط الضوء علي معاناة شريحة لحراطين و تحميل مجتمع البيظان المسؤولية بينما تواجه قضايا الإسترقاق داخل القوميات الزنجية صمتا شبه مطلق نظرا لحساسية التضامن العرقي .
و إن كان ذلك لا يبرر إطلاقا ما موريس في السابق داخل مجتمع البيظان من عبودية و ظلم و سطو و تعذيب و إغتصاب و غبن و تهميش .... الخ .
و بشكل فظيع و فاضح ضد شريحة لحراطين و ما يضاهيها من فئات ضعيفة عانت الأمرين كشريحة آزناكة و غيرها .
مما كان له الأثر الكبير في تجهيل و تفقير و تجويع أبناء هذه الشرائح .
و يرجع هذا التمايز في التعاطي إلي اعتبارات سياسية و طبيعة التكوين الديمغرافي حيث تعد شريحة لحراطين الأكثر تضررا من آثار العبودية و من التهميش التاريخي إضافة إلي التجانس اللوني في بعض المجتمعات الزنجية الذي يُخفي أحيانا طبيعة العلاقات الإسترقاقية خلف واجهة الإنتماء الإثني الواحد .
بالتأكيد لسنا مسؤولين عن ممارسات العبودية في الماضي بقدر ما نحن مسؤولون و مدعوون كل من موقعه للتخلص من رواسبها بشكل أو بآخر و محاربتها و عدم التستر علي مرتكبيها و الوقوف إلي جانب ضحاياها و رفع الظلم عنهم و تمكينهم من تبوؤ مكانتهم المستحقة و اللائقة داخل المجتمع دون مزايدة  .
ولا يتأتي ذلك إلا عن طريق التمييز الإيجابي الهادف و التمكين الإقتصادي و الولوج إلي التعليم و التكوين الفني .
و هو ما تم بالفعل عبر إستحداث مندوبية خاصة بهذا الشأن خصصت لها ميزانيات ضخمة و كبيرة جدا بتوجيه مباشر من فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، 
من المفروض أن تذوب فيها حالات الغبن و التهميش و الظلم الاجتماعي .... الخ .
صحيح جرم القانون الموريتاني كافة اشكال العبودية و أنشأت الدولة أيضا محاكم خاصة بها ،
غير أن المعالجة الجذرية لهذه التراكمات الاجتماعية المعقدة لا تزال تتطلب جهودا شاملة تتجاوز   الشعارات نحو التفكيك الفعلي للإستغلال .
يمكن تفكيك هذا المشهد المعقد من خلال المحاور التالية : -
1 . غياب الخطاب الجامع و الرؤية الوطنية الشاملة : تعاني مقاربة معالجة ملف الإرث الإنساني و العبودية من التشتيت ، حيث تغيب الرؤية الوطنية الجامعة التي تنطلق من مبدأ الإنصاف و المصالحة الشاملة .
- المقاربة الرسمية : غالبا ما تركز علي الجوانب القانونية الإقتصادية و التنموية مثل برامج وكالة التضامن تآزر لإنتشال الفئات الهشة دون ملامسة الجذور الثقافية و الإجتماعية و السياسية العميقة للظلم التاريخي بشكل كاف .
- المقاربة الحقوقية : تنقسم الرؤي بين تيارات راديكالية تري ان الحل يكمن في التفكيك الجذري للبنيات الاجتماعية التقليدية و بين تيارات أخري معتدلة تفضل الحوار و التدرج ، مما حال دون بلورة خطاب وطني موحد يلتف حوله الجميع .
2 . التوظيف السياسي للملف : تحول ملف العبودية و مخلفاتها إلي ورقة رابحة في الصراعات السياسية و الحزبية .
- الإستهلاك الإنتخابي : يلجأ بعض الأطراف السياسية لإستخدام هذا الملف الحساس كورقة ضغط أو أداة حشد انتخابي خلال الإستحقاقات،  مما يؤدي إلي استغلال معاناة الفئات الهشة دون تقديم حلول هيكلية و مستدامة علي أرض الواقع .
- التأجيج العرقي و الشرائحي : تستغل بعض الأطراف السياسية هذا الملف لتأجيج النعرات و توسيع الهوة بين مكونات المجتمع مما يهدد السلم الأهلي و النسيج الاجتماعي. 
3 . الإسترزاق الحقوقي و تشوية النضال : إلي جانب النضال التاريخي الصادق لرموز وطنية و منظمات حقوقية كان لها الفضل في حمل مشعل التحرر و إرساء قيم النضال في أحلك الظروف و في وقت مبكر من قيام الدولة المركزية حيث ظلت تضحياتهم التاريخية علامة فارقة في الوعي الوطني و ضمانة أساسية لتحقيق الكرامة و العدالة للجميع ،
مما ساهم حينها في إلغاء العبودية رسميا و تجريمها قانونيا. 
إلا أنه في السنوات الأخيرة و في ظل طغيان المادة برزت ظاهرة تعرف محليا بالإسترزاق الحقوقي أو تجارة حقوق الإنسان، 
شكلت إنحرافا خطيرا أدي إلي عدة تشوهات و انعكاسات سلبية علي مسار النضال ،
حيث تحول النضال الحقوقي من مبادئ نبيلة للدفاع عن الحقوق إلي وسيلة لتحقيق مكاسب مادية و شخصية ،
مما أفرغ العمل الحقوقي من محتواه .
- المتاجرة بالقضايا : أصبح الدفاع عن لحراطين و مخلفات الإرث الإنساني مصدرا للثراء و الوجاهة السياسية لبعض الأفراد و الكيانات ، حيث تحول النضال تدريجيا من مواجهة القضايا الحقوقية الوطنية العادلة و العالقة و الدفاع عن حقوق الفئات الهشة بغض النظر عن انتماءاتهم ،
إلي منصة لتصفية الحسابات السياسية و الاجتماعية و بناء ثروات و مكاسب شخصية علي حساب معاناة الطبقات المسحوقة .
و علي نحو أعتمد الخطاب الشرائحي التحريضي عبر تضخيم المظلوميات وتقسيم المجتمع إلي شرائح متناحرة و مكونات متصارعة مما يهدد اللحمة الاجتماعية و النسيج الوطني .
- التكسب الخارجي : تقوم بعض الجهات بتضخيم الوقائع و تدويل القضايا الوطنية و استغلال المنابر الإقليمية و الدولية بغية تشويه صورة الوطن لتحقيق مكاسب شخصية أو تمويلات خارجية .
مما يسيئ للمناضلين الحقيقيين و يفرغ  العمل الحقوقي من قيمه النبيلة و مقاصده الوطنية الصادقة و يزيد من تعقيد الأزمة علي المستوي الداخلي .
إن تصحيح المظالم التاريخية و دمج الطبقات المهمشة في الدورة الاقتصادية يتطلب تبني سياسات ناجعة و مقاربات اقتصادية شاملة ،
تعتمد بشكل كبير علي توفير التعليم المجاني داخل الأوساط الهشة و المهمشة و التكوين و التأهيل الفني في مجال القطاعات الإنتاجية التي تستوعب النسبة الأكبر من العمالة المهمشة كالصيد البحري و الزراعة موجه للشباب و النساء في أوساط الفئات الأكثر هشاشة لضمان قدرتهم علي إدارة الأنشطة الإنتاجية بفعالية .
بالإضافة إلي إطلاق برامج حكومية ضمن مشاريع الإنعاش و التمكين الإقتصادي مثل توزيع زوارق الصيد التقليدي و المعدات علي آلاف الصيادين التقلديين  الجدد خرجي مراكز التكوين من أبناء الطبقات المذكورة و المستهدفة بالبرنامج و تجهيز النساء أيضا بمعدات حفظ و تجفيف الأسماك لتعزيز مشاركتهن الإقتصادية ،
إلي جانب إستصلاح الأراضي الزراعية و توزيعها مجانا أو بإمتياز مع توفير الآليات و المحاريث لتمكين التعاونيات و صغار المزارعين من زراعة الحبوب و الخضروات .
مع ضرورة إرساء سياسات منسجمة للتمويلات الصغيرة مما يتيح للمستفيدين الحصول علي القروض الزراعية و التشغيلية لتطوير مشاريعهم .
من جهة أخري تجدر الإشارة إلي أن معالجة المظالم السياسية و انتهاكات حقوق الإنسان الناتجة عن عنف و استبداد الأنظمة الحاكمة في مراحل متباينة من عمر الدولة الوطنية ،
 ضمن مسار توافقي يشمل كل الضحايا ، يتطلب مشروعا وطنيا شاملا و مستقلا من أي توظيف سياسي ،
فالعدالة الإنتقائية التي تستثني بعض الضحايا أو تقتصر علي فئة دون أخري تفرغ العدالة الإنتقالية من جوهرها الحقيقي و تفقد المجتمع ثقته في أي مسار للإصلاح أو المصالحة .
إن اقتصار و حصر الإنصاف و جبر الضرر علي فئات محددة دون غيرها يكرس الإنقسامات و يُحوِل آليات العدالة من مسار حقوقي يهدف إلي المساءلة و منع تكرار الإنتهاكات إلي مجرد ورقة للمضايقة السياسية أو الصفقات .
إن تحويل هذه المطالب إلي مشروع وطني شامل يضمن سيادة القانون ،
بدلا من بقائها رهينة التفاهمات السياسية المؤقتة أو التوظيف السياسي .
حيث تُشكل هذه الخطوة الضمان الوحيد لإستعادة ثقة المجتمع و بناء دولة ديمقراطية مستقرة .
إن الطريق الأمثل للخروج من هذه الدوامة و تجاوز إشكالات إرث المظلومية الاجتماعية التاريخية و اجتثاث مخلفات الرق من جذوره يكمن أساسا في تبني خطاب و طني جامع يعترف بجسامة المظالم الإجتماعية التاريخية و لا يختزلها في صراعات  سياسية عابرة ،
كما يكمن أيضا في تجاوز المزايدات السياسية و المصالح الضيقة نحو حوار وطني شامل و صادق يؤسس لمشروع مجتمعي يكرس قيم المواطنة و المساواة الفعلية و تطبيق القوانين و تفعيل برامج جبر الضرر بطريقة عادلة و منصفة ،
مع إطلاق سياسات عمومية حقيقية و شفافة تقضي علي الفوارق الإقتصادية و تضمن تكافؤ الفرص في التعليم و العمل و التمثيل السياسي لجميع مكونات الشعب الموريتاني بعيدا عن أي استثمار سياسي أو حقوقي ضيق .
في حين يبقي ما يجمعنا هو دين واحد و وطن واحد و قدر واحد و مصير مشترك واحد .
فهل من مدكر ؟!

  حفظ الله موريتانيا
    

خميس, 11/06/2026 - 20:53