مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

رئيس حزب معارض يتحفظ على ورود اسمه في وثيقة سياسية

قال أحمد ولد هارون ولد الشيخ سيديا في تدوينة له: "تعليقا على وثيقة ورد اسمي فيها:

قبل نحو أسبوعين، دعاني الأكاديمي الملتزم المثابر، الدكتور ديدي ولد السالك، إلى التشاور حول إعداد وتوقيع وثيقة وطنية تتعلق بآليات الإنصاف الشامل وجبر الضرر وضمانات عدم تكرار الانتهاكات، في إطار دولة القانون والمؤسسات.

وبعد نقاش عاجل لحيثيات الفكرة، طلبت منه أن يرسل إلي الوثيقة بعد تبييضها لنناقشها في حزب العمران ونرد عليها بما يليق بأهميتها وحساسيتها. لكن الوثيقة لم تصلني في وقتها، ولم يراجعني أحد بشأنها، إلى أن اتصل بي أحد الإخوة الإعلاميين، قبل يومين، ليخبرني بنشرها وبأن اسمي وارد ضمن الموقعين عليها. 

وفي اليوم الموالي، اتصل بي الدكتور ديدي ليحدثني عن نشر الوثيقة وبعض الردود عليها، فذكّرته بأنه لم يرسلها إلي وأخبرته أنني لم أكمل، إلى تلك اللحظة، قراءتها. فاعتذر مشكورا، موضحا أنه كان يظن أنه أرسلها في الوقت المناسب، ثم أرسل إلي في الحين نسخة منها خاصة بالتوقيع الإلكتروني. 

والآن، وبعد قراءتي للوثيقة، وما أثارته من ردود وأسئلة، أجد من واجبي توضيح موقفي منها ومن الموضوع عموما، بما يرفع اللبس ويحفظ حق الضحايا وكرامة المظلومين ووحدة المسار الوطني نحو المصالحة. 

أولا، يُفهم من بعض القراءات السياسية للوثيقة أن فيها ما قد يعرقل الجهود التي يجري الحديث عنها هذه الأيام لتسوية ملف الإرث الإنساني، المتعلق بالانتهاكات الجسيمة التي وقعت في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، وكان عامة ضحاياها من إخواننا الأفارقة السمر، وخصوصا من قومية البولار. 

ومن نافلة القول إنني لا أرى في تسوية ذلك الملف المؤلم إلا خطوة وطنية وأخلاقية وسياسية بالغة الأهمية. ولا أتصور أن موريتانيا واحدا، ذا إيمان وضمير، يمكن أن يقف في وجه رفع الظلم عن اليتامى والأرامل والمهجّرين قسرا، ولا في وجه جبر ضرر طال أمده وأثقل الذاكرة الوطنية وأضعف الجبهة الداخلية وشوّه صورة البلد الخارجية. 

ثانيا، لا أحبذ المقارنة بين ملفات حقوق الإنسان، ولا ترتيب آلام الموريتانيين أو المفاضلة بين جراحهم. فكل ظلم وقع على مواطن موريتاني هو ظلم للدولة نفسها، وكل ضحية لم يتم إنصافها شاهد على نقص العدالة في هذا البلد وعار علينا جميعا. 

لكن الموضوعية تقتضي التذكير بأن ملف الإرث الإنساني المذكور طُرح بقوة، داخل البلد وخارجه، طيلة العقود الثلاثة الماضية، وعلى يد مناضلين مثابرين دفعوا من أعمارهم وجهدهم الكثير، حتى كادت تلك العقود تسمى عقود الإرث الإنساني. ومن هنا، فإن أي مسار اقترب من تسوية عادلة ونهائية ينبغي أن يدعم ويسهّل، لا أن يبطَّأ أو يُربك، ما دام لا يلغي بقية المظالم ولا يصادر حق أصحابها في العدالة. 

ثالثا، إن الدعوة إلى المصالحة الشاملة والإنصاف لا ينبغي أن تتحول، بحسن نية أو بسوء تقدير، إلى سبب لتعطيل إنصاف جزئي نضجت شروطه؛ كما أن تسوية ملف بعينه لا ينبغي أن تفهم باعتبارها إغلاقا للباب أمام بقية الملفات. فالعدل لا يتجزأ مبدئيا، لكنه قد يتدرج من حيث المسارات والإجراءات والوسائل. 

ثم إن كل تسوية عادلة لملف من الملفات ستفتح - لا محالة - الطريق أمام تسوية مرْضية للملفات الأخرى، إذا حسُنت النيات، وتضافرت الجهود وغلبت الروح الوطنية على منطق التنافس بين المظالم.

ونصيحتي الأخوية لأصحاب المظالم أن يحافظوا جميعهم على التنسيق الدائم، وأن يفسح بعضهم المجال أمام كل تسوية عادلة اقتربت من نهايتها أو أخذت طريقها إلى الحل. فليس في إنصاف ضحية ما يضر ضحية أخرى، ولا في جبر ضرر فئة ما انتقاص من حق فئة أخرى. وإنما الخطر في أن تتحول المظالم العادلة إلى ملفات متنافسة، بدل أن تكون جسورا متكاملة نحو دولة أكثر عدلا وإنصافا.

إن تنافس المظالم الجزئية على احتكار الانتباه العام ليس دليلا على قوتها، بل هو عرض من أعراض ضعف الدولة وغياب الإطار الوطني الجامع للمصالحة والإنصاف. فحين تغيب الدولة، تحاول كل مظلمة أن تتحول إلى القضية المركزية أو الوحيدة، ويخشى أصحاب كل ملف أن يكون الحديث عن الملفات الأخرى تشويشا على قضيتهم، أو حقا أريد به باطل.

أما نحن في حزب العمران، فنرى أن القضية المركزية هي بناء الدولة: دولة المواطنة والمؤسسات والعدالة والعدالة الاجتماعية. فبقدر ما نقيم هذه الدولة، تنفتح الطريق أمام تسوية كل المظالم. 

ولذلك، لم أكن يوما متحمسا لتحويل القضايا الفئوية أو الجزئية، مهما كانت عدالتها وألمها، إلى بديل عن القضية الوطنية الكبرى: إنقاذ الدولة وتقوية الدولة. لا تقليلا من شأن تلك القضايا، ولا نكرانا لوجاهتها، بل إيمانا بأن تحويل كل مظلمة إلى قضية مركزية وحيدة لا يخدم أصحابها ولا يخدم البلد. 

فالسياسة، في جوهرها، هي علم الشأن العام، وكلما ضاق أفق القضية ضعفت قدرتها على إنتاج الحل الوطني الجامع. والطريق الصحيح، في تقديري، هو أن نبدأ بما نضجت شروط تسويته، وأن نواصل بروح وطنية وأخوية، حتى لا يبقى في ذاكرة هذا البلد جرح بلا اعتراف، ولا ضحية بلا إنصاف، ولا مظلمة بلا عدالة. 

أحمد هارون الشيخ سيديا 
11 يونيو 2026

جمعة, 12/06/2026 - 13:16