مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

جنرال متقاعد يعلن رفض الضباط المتقاعدين أن: "تمتد إلى المجال المدني الآليات التي سبق أن عانوا منها داخل المؤسسة العسكرية"

قال الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف: "اعتمد مجلس الوزراء في اجتماعه المنعقد بتاريخ 10 يونيو 2026 تعديلاً على النظام الأساسي للضباط يهدف إلى تأطير مشاركتهم في الحياة السياسية بعد إحالتهم إلى التقاعد. وقد أثار هذا القرار العديد من التساؤلات، مما دفعنا إلى تسليط الضوء على بعض الجوانب الأساسية المتعلقة بوضعية فئة من العسكريين السابقين الذين تسعى السلطة اليوم إلى إخضاعهم لقيود جديدة.

وتأتي هذه المبادرة في وقت انقطعت فيه بالفعل الصلة المؤسسية التي كانت تربط هؤلاء الضباط بالقوات المسلحة الوطنية من خلال إحالتهم إلى التقاعد، ولا سيما بعد خروجهم من القسم الثاني الذي يظل أعضاؤه قابلين للاستدعاء عند الضرورة.

إن التاريخ السياسي لموريتانيا لا يمكن فصله عن سلسلة من القطيعات المؤسسية التي تركت آثاراً عميقة على الدولة وأثرت بصورة دائمة في طريقة عمل مؤسستها العسكرية. فمنذ التغييرات التي شهدتها السلطة ابتداءً من سنة 1978، ترسخت تدريجياً ثقافة سياسية قائمة على الاستثناء، أصبحت فيها القواعد الرسمية للدولة في كثير من الأحيان خاضعة لموازين القوى والظروف السائدة.

وفي هذا السياق، أُدمجت القوات المسلحة الموريتانية تدريجياً في ديناميكية أبعدتها عن رسالتها الجمهورية الأصلية. فبدلاً من أن تتطور حصراً وفق مبادئ الاستحقاق والكفاءة والأقدمية والحياد، خضعت المؤسسة العسكرية لآليات استجابت بدرجة أكبر لمتطلبات ترسيخ السلطة والمحافظة عليها.

وبالنسبة لعدد كبير من الضباط الذين أصبحوا اليوم متقاعدين، فقد اتسمت مساراتهم المهنية بأشكال مختلفة من التهميش أو الإقصاء أو إبطاء الترقية. كما أن الوصول إلى المسؤوليات ومناصب القيادة والوظائف الاستراتيجية لم يكن دائماً قائماً على معايير يُنظر إليها على أنها موضوعية وشفافة وعادلة.

وفي حالات عديدة، لعبت الانتماءات السياسية والميول الإيديولوجية والمواقف المختلفة وشبكات العلاقات والقرب من دوائر النفوذ دوراً حاسماً في تطور المسارات المهنية. وقد ساهمت هذه الآليات في تعميق الفوارق، أحياناً بصورة كبيرة، بين ضباط ينتمون إلى الجيل نفسه، ويتوفرون على تكوينات متقاربة، وراكموا خبرات مهنية متشابهة.

وقد ولّد هذا الواقع لدى كثيرين شعوراً دائماً بالظلم. فهناك عدد كبير من الضباط الذين يرون أن كفاءاتهم وأقدميتهم وسجلهم المهني لم يحظ بما يستحقه من تقدير واعتراف مؤسسي.

إن المسألة التي تثيرها الدولة اليوم والمتعلقة بتأطير أو تقييد المشاركة السياسية لهؤلاء الضباط المتقاعدين لا يمكن تحليلها بمعزل عن هذه الخلفية التاريخية. فهي تندرج في سياق استمرارية ممارسات تميل إلى إطالة أمد منطق قديم قائم على الانتقاء والفرز والرقابة على المسارات الفردية، وإن كان ذلك بأشكال مختلفة.

وبالنسبة إلى فئة من هؤلاء الضباط السابقين، فإن الصورة تبدو واضحة: فبعد أن واجهوا خلال مسيرتهم المهنية آليات حدّت من تقدمهم أو من وصولهم إلى بعض المسؤوليات، يجدون أنفسهم اليوم أمام قيود جديدة قد تمس حقهم الكامل في المشاركة السياسية والمدنية، لمجرد أنهم لا يساندون سياسة السلطة أو يعارضونها. وهكذا فإن ما كان يُمارس بالأمس داخل المجال العسكري يبدو وكأنه يمتد اليوم إلى المجال السياسي.

وإلى جانب الوضعية الخاصة بالضباط المتقاعدين، تثير هذه القضية تساؤلاً أكثر جوهرية يتعلق بطبيعة الحوكمة العامة نفسها. فعندما تبدو القواعد المنظمة للمسارات المهنية، وللوصول إلى المسؤوليات، ولممارسة الحقوق السياسية قابلة للتغيير تبعاً للظروف المؤسسية، فإن ذلك يضعف قابلية التنبؤ التي تشكل إحدى ركائز دولة القانون.

وأمام هذا الوضع، يعبر بعض الضباط المتقاعدين عن موقف مبدئي واضح. فهم يرفضون أن تمتد إلى المجال المدني الآليات التي يرون أنهم سبق أن عانوا منها داخل المؤسسة العسكرية.

ويستند هذا الموقف إلى مطلب أساسي مفاده أن المواطنة لا ينبغي أن تكون أداة بيد السلطة توظفها وفق مصالحها، انطلاقاً من المسارات المهنية السابقة للأفراد. كما لا يجوز أن تُخضع للتمييز أو التدرج أو التقييد تبعاً للوظائف التي سبق لأصحابها أن مارسوها في خدمة الدولة.

وأخيراً، وبعد أن عرف هؤلاء الضباط السابقون أشكالاً متعددة من التهميش المؤسسي خلال حياتهم المهنية، فإنهم ما زالوا متمسكين بحقهم في التعبير السياسي، والانخراط المدني، والمشاركة في الخيارات الجماعية للأمة. وهم يعتبرون أن هذه الحقوق، الملازمة لصفة المواطن، لا يجوز أن تكون محل قيود ضمنية أو حدود مقنعة بعد انتهاء خدمتهم العسكرية

سبت, 13/06/2026 - 13:08