مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

محمد باب ولد سعيد: معركة القضاء في فرنسا، نهاية “ضمير ومقاومة”، وتفاصيل المشاركة في أسطول الصمود

يقول محمد باب ولد سعيد إنه بعد عودته إلى فرنسا لم يكتفِ بالتقرير الطبي الذي أُنجز له عقب الإفراج عنه، بل سعى إلى الحصول على تقرير طبي آخر أكثر دقة وتفصيلاً، يوثق بصورة أشمل ما تعرض له من أضرار جسدية ونفسية خلال فترة احتجازه. وبعد استكمال التقرير، توجه إلى إحدى منسقيات الدفاع عن حقوق الإنسان، حيث اطلع القائمين عليها على محتواه، فتولت إعداد شكوى قانونية استندت بالكامل إلى ما ورد في التقرير الطبي، وقدمتها إلى المدعي العام الفرنسي للنظر في إمكانية فتح تحقيق قضائي.

 

ويؤكد أن المدعي العام، بعد دراسة الملف، قرر بالفعل فتح تحقيق، وتم تعيين قاضٍ مختص لمتابعة القضية. وكانت الشكوى موجهة ضد كل من دداه ولد عبد الله، والمرابط سيدي محمود وزير الداخلية الموريتاني آنذاك، والمفوض إسماعيل، والمفوض إبراهيم ولد السيد، رحمه الله.

 

ويضيف أنه كان يفكر أيضاً في مقاضاة الرئيس الموريتاني آنذاك معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، إلا أن المحامين رأوا أن ذلك قد يضر بمسار القضية، نظراً لأنه كان لا يزال رئيساً للجمهورية، وهو ما قد يؤدي – بحسب تقديرهم – إلى تعقيد الملف أو إفساده. كما دار نقاش آخر حول إمكانية إدراج أعلي ولد محمد فال، الذي كان يشغل منصب مدير الأمن، ضمن المشكو ضدهم، إلا أن جمال ولد اليسع اقترح عدم القيام بذلك، مبرراً موقفه بأن ولد محمد فال قد يكون الشخصية المرشحة لتولي السلطة في حال وقوع انقلاب، ومن الأفضل – بحسب رأيه – عدم الدخول في خصومة معه.

 

ويقول إن القاضي ظل يتابع القضية لفترة، لكنه استدعاه بعد مدة وأبلغه بأنه إذا لم يقدم معطيات جديدة أو أدلة إضافية، فإن الملف سيغلق. ويشير إلى أنه كلما عثر على وثيقة أو صورة أو دليل جديد قدمه للقضاء، كان ذلك يطيل عمر الملف. غير أنه بعد أربع سنوات من الإجراءات، استدعاه القاضي للمرة الأخيرة، ثم تقرر حفظ القضية وإيقاف متابعتها، لتنتهي بذلك المسطرة القضائية دون الوصول إلى محاكمة. ويختم هذا الجزء من شهادته بالقول إنه لن يسامح دداه ولد عبد الله أبداً على ما تعرض له.

 

وينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن نهاية تجربة ضمير ومقاومة، مؤكداً أن الثقة التي كانت تجمعه مع القادة الثلاثة المؤسسين للحركة انتهت بصورة نهائية، لأنهم – بحسب تعبيره – أصبحوا يختلفون في الأخلاق السياسية قبل أن يختلفوا في المواقف.

 

ويقول إن نقطة التحول الكبرى جاءت عندما اطلعوا على شيك بقيمة خمسة وسبعين ألف دولار صادر باسم جمال ولد اليسع. وعندما سألوه عن مصدره، أوضح لهم أنه يتعلق بمشروع خاص به لدعم قضية نجدة العبيد. إلا أن هذا التفسير لم يقنعهم، لأن قضية العبودية كانت من صميم اهتمامات الحركة كلها، ولم يكن من الطبيعي – بحسب رأيه – أن يتولى أحد القادة ملفاً بهذا الحجم بصورة منفردة أو يتلقى تمويلاً من منظمة أجنبية دون علم بقية القيادة.

 

ويؤكد أن ذلك الشيك كان العامل الحاسم الذي أقنعهم بأن الأمور لم تعد واضحة، وأن العمل داخل الحركة فقد أسسه الأخلاقية والتنظيمية. ولذلك عقد اجتماع في غياب جمال ولد اليسع، وخلص المجتمعون إلى أنه لم تعد هناك مقومات للاستمرار في العمل المشترك، فتم إنهاء التعاون، وابتعد كل طرف في طريقه. ويذكر أن من بين الشخصيات التي كانت حاضرة أو معنية بتلك المرحلة عبدو ولد السالك وانغايدي ولد عبد الرحمن، كما يشير إلى أنهم قاموا بحجب الموقع الإلكتروني للحركة، قبل أن يستعيده لاحقاً جمال ولد اليسع، بمساندة ولد ودادي.

 

ويتوقف محمد باب ولد سعيد عند تجربته مع الناشط بيرام الداه اعبيد، فيقر بأن بيرام نجح في نقل قضية العبودية إلى واجهة الرأي العام، وأن نشاطه الميداني أحدث أثراً كبيراً في هذا الملف.

 

إلا أنه، في المقابل، يرى أن من أبرز سلبيات بيرام – وفق تجربته الشخصية – أنه شخصية يصعب العمل معها، ويقول إنهم كانوا يأملون في أن يصبح رئيساً لموريتانيا، وكانوا يعتقدون أنه يمتلك من الكاريزما والقدرة القيادية ما يؤهله لذلك، غير أن تجربته معه جعلته يراجع هذا التقدير. فهو يعتبره قائداً يتمتع بحضور قوي، لكنه ليس منفتحاً على العمل الجماعي، ويرى أن إمكانية وصوله إلى الرئاسة تظل قائمة فقط إذا استطاع تغيير أسلوبه في التعامل مع شركائه، لكنه يعترف بأنه، من خلال معرفته به، لا يعتقد أن هذا التغيير سيحدث، ولذلك لم يتمكن من مواصلة العمل معه.

 

وفي حديثه عن اعتقاله الثالث، ينتقل إلى قضية أسطول الصمود الداعم لفلسطين، ويصف القضية الفلسطينية بأنها قضية جوهرية، لأن الناس – كما يقول – يقتلون، والأطفال يتعرضون للإبادة في غزة.

 

ويروي أن الفكرة بدأت عندما اتصل به أسلم ولد معلوم، طالباً رأيه بشأن مبادرة يجري الإعداد لها بالتنسيق مع الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، تقضي بإرسال سفينة إلى غزة لكسر الحصار. فأجابه بأنه إذا وجد له مكاناً ضمن المشاركين فسوف ينضم إليهم، إلا أن الرحلة الأولى لم يكن فيها سوى مكان واحد حصل عليه أسلم ولد معلوم.

 

ويستعرض بعد ذلك تاريخ المبادرات البحرية لكسر الحصار، فيشير إلى سفينة كان على متنها محمد غلام وشهدت سقوط ضحايا، ثم سفينة مدلين التي كانت تضم البرلمانية الفرنسية من أصل فلسطيني ريما حسن، والناشطة غريتا تونبرغ، حيث اعترضتها القوات الإسرائيلية قبل وصولها إلى غزة ورحلت المشاركين فيها، كما يذكر سفينة حنظلة التي عادت دون الوصول إلى هدفها.

 

ويضيف أن تجربة القافلة البرية أظهرت أن السلطات المصرية لم تسمح للمشاركين بعبور الحدود، وأبلغتهم بأن الطريق الوحيد هو البحر، وهو ما أدى إلى ظهور فكرة إنشاء أسطول عالمي يضم عدداً كبيراً من السفن بدلاً من سفينة واحدة، ليكون الهدف هو كسر الحصار وجذب انتباه العالم إلى ما يجري في قطاع غزة خلال عام 2025.

 

ويقول إن مجموعة من الموريتانيين انخرطت في المبادرة، من بينهم محمد فال ولد الشيخ، والمرتضى، ومحمد الأمين المصطفى رحمه الله، وحنفي ولد محمد، حيث نُظمت حملات للتبرع، وتشكلت منسقية مغاربية ضمت موريتانيين وجزائريين وتونسيين وليبيين.

 

وبحسب روايته، فقد تقرر أن يشتري كل فريق قارباً خاصاً به، فاشتروا قارباً بمبلغ أربعين ألف يورو، بينما بلغ مجموع التبرعات نحو مائة ألف يورو، وتم إعداد تقرير مالي رسمي بحضور عدل منفذ، مع الالتزام بإعداد تقرير مالي آخر لاحقاً.

 

ويضيف أن ثلاثة عشر مشاركاً انتقلوا إلى تونس للالتقاء بالمشاركين الأوروبيين، إلا أن سوء التنظيم تسبب في شراء عدد من السفن غير الصالحة للإبحار، كما تبين أن عدداً كبيراً من المقاعد لم يعد متوفراً، وهو ما أدى إلى حالة من الإحباط، حتى إن بعض المشاركين دخلوا في البكاء.

 

وكان القارب الموريتاني يتسع لثمانية أشخاص فقط، بينما بلغ عدد المشاركين ثلاثة عشر، فتم توزيع بعضهم على سفن أخرى، وانتقل هو عن طريق القرعة إلى سفينة اسمها إكس وان، بينما ذهب آخرون إلى قارب قمر.

 

ويقول إنهم انطلقوا من تونس باتجاه صقلية، ثم تعرض قارب إكس وان لعطل، بينما لم يتعرض قارب قمر لأي مشكلة. وبعد ذلك وجد طبيب يدعى الهيب مكاناً له على سفينة أخرى، فواصل الرحلة حتى اليونان، لكن الأعطال تكررت مرة أخرى. أما أسلم ولد معلوم فلم يتمكن من مواصلة الرحلة بسبب مشاكل صحية تعرض لها في تونس، فعاد إلى موريتانيا.

 

ويضيف أن الصحفي محمد فال ولد الشيخ، صاحب منصة سراج، تعرض لاحقاً للاعتقال من قبل القوات الإسرائيلية، التي صادرت السفن ورحلت المشاركين.

 

ويقول إن ذلك لم ينه المشروع، بل أدى إلى إطلاق أسطول الصمود رقم 2، باعتباره رسالة إلى إسرائيل بأن أساطيل كسر الحصار لن تتوقف، كما أن جزءاً من الأموال بقي متوفراً لتمويل المبادرة الثانية.

 

ويشير إلى أن الهيئة العالمية للمبادرة قررت هذه المرة شراء السفن مركزياً، ومنح كل دولة خمسة مقاعد فقط، فاختار هو الانضمام إلى الوفد الفرنسي بحكم حمله الجنسية الفرنسية، حتى يفسح مقعداً إضافياً للموريتانيين.

 

وانطلقت المجموعات من أماكن مختلفة؛ فمنهم من انطلق من برشلونة، وآخرون من تركيا أو صقلية، بينما تعرض عدد من المشاركين في تونس، في عهد الرئيس قيس سعيد، للاعتقال واتهامات تتعلق بجمع أموال الناس.

 

ويؤكد أنهم تلقوا في برشلونة تدريبات خاصة على أساليب المقاومة السلمية، وكيفية التعامل مع عمليات الاعتراض البحري، مستفيدين من تجارب الأساطيل السابقة، كما تدربوا على عدم استخدام العنف مهما كانت الظروف.

 

ويقول إن الاعتراض الإسرائيلي جاء مبكراً وعلى غير المتوقع، قبل وصولهم إلى المياه اليونانية. وكان معه على متن السفينة أربعة ماليزيين، يصفهم بأنهم كانوا في غاية الطيبة، حتى إنهم كانوا يوجهون السفينة نحو القبلة كلما حان وقت الصلاة.

 

وكانت مهمته في الليلة الأولى أن يسهر إلى جانب القبطان، لأن السفينة كانت تواصل الإبحار دون توقف. وفجأة ظهرت ثلاثة زوارق إسرائيلية صغيرة، فأرسلوا فوراً رسالة استغاثة عبر أجهزة اللاسلكي إلى بقية الأسطول، وارتدى الجميع سترات النجاة، ثم طُلب منهم التجمع في مقدمة السفينة.

 

ويؤكد أنهم قُيدوا بالأصفاد، ثم نقلوا إلى سفينة عسكرية كبيرة، حيث وجدوا صفين من الجنود الذين أخذوا يضربونهم ويعنفونهم أثناء مرورهم، وأجبروهم على السير على الركبتين مع إبقاء رؤوسهم إلى الأسفل. وبعد ذلك سُجلت بياناتهم، ووضع لكل واحد منهم رقم على معصمه، وكان رقمه الشخصي هو 4.

 

ويضيف أن عدد المعتقلين بلغ نحو 180 شخصاً، وأنهم احتجزوا في زنازين مفتوحة لا يرون منها إلا السماء، بينما كان الجنود يقفون فوقهم بأسلحتهم. ويقول إنهم لم يشعروا بالخوف، بل كانت تسود بينهم حالة من الحماس والتضامن، رغم انقطاع الأخبار عن بقية المشاركين.

 

ويشير إلى أن المياه التي كانت تقدم لهم كانت ملوثة، كما كانوا يتعرضون لرش المياه الباردة ذات الضغط العالي، وسط أجواء باردة، وفي تلك الظروف تقرر الدخول في إضراب عن الطعام، والاكتفاء برفض الخبز والماء اللذين كانا يقدمان لهم، وكان هو من بين المشاركين في الإضراب.

 

ويضيف أن السلطات الإسرائيلية قررت سجن اثنين من قادة الحملة، هما تياغو أفيلا من البرازيل، وسيف أبو كشك، الإسباني من أصل فلسطيني، بينما جرى نقل بقية المشاركين إلى جزيرة كريت اليونانية، حيث تسلمهم خفر السواحل اليوناني.

 

ويقول إنهم لاحظوا وجود تعاون بين السلطات اليونانية والإسرائيلية، وأن بعض المشاركين تعرضوا للضرب المبرح حتى نُقلوا إلى المستشفى. وفي أحد الموانئ شاهدوا أعلام فلسطين مرفوعة على خمس وعشرين سفينة، فعرفوا أن بقية رفاقهم قد وصلوا إلى هناك.

 

وبعد ذلك انتقلوا إلى تركيا، وقرروا أن تكون الانطلاقة التالية من المياه الإقليمية التركية، تفادياً لاعتراضهم مرة أخرى في المياه الدولية، وقد وافقت السلطات التركية على استضافة انطلاق الأسطول، بل وعوضتهم عن السفن التي فقدوها، حتى بلغ عدد السفن الجديدة نحو ستين سفينة.

 

وبعد أربعة أيام فقط وقع الاعتراض الإسرائيلي الثاني، حيث سيطرت القوات الإسرائيلية على السفن، واقتادت المشاركين إلى ما يصفه بـ”السجن العائم”. ويقول إنه التقى هناك مرة أخرى بأسلم ولد معلوم، وقضيا معاً قرابة أربع وعشرين ساعة، قبل أن تقترب السفن من غزة إلى مسافة تقارب 200 كيلومتر، حيث تم اعتراضها للمرة الأخيرة.

 

ويؤكد أن القوات الإسرائيلية نقلتهم إلى مدينة أسدود، وهناك تعرضوا – بحسب روايته – لمختلف أشكال العنف وسوء المعاملة، بما في ذلك اعتداءات جنسية على بعض المعتقلين.

 

ويصف ما جرى داخل أحد المباني قائلاً إنهم أُجبروا لمدة ست ساعات على الركوع، مع إلصاق الجبهة بالأرض، وتقييد الأيدي إلى الخلف، وكل من حاول تغيير وضعيته كان يتعرض للدوس بأحذية الجنود، كما كانوا يجبرونهم على الاستماع إلى أناشيد صهيونية.

 

وبعد ذلك نُقلوا بين عدة محطات، حيث أخذت بصماتهم، وهم مقيدون بالأصفاد ويتعرضون للتعنيف، ثم مثلوا أمام قاضي الهجرة، قبل أن يُرحلوا إلى أحد السجون، حيث استبدلت الأصفاد البلاستيكية بأخرى معدنية تقيد الأيدي والأرجل معاً.

 

وأثناء نقلهم بالحافلة، يقول إن أحد الجنود أطلق عليه كلباً بوليسياً، فخدش جبهته دون أن ينتبه إلى الإصابة إلا بعد صعوده إلى الحافلة. وفي السجن الصحراوي فحصه طبيب، وأبلغه أن الجرح سيشفى تلقائياً، ووصف له دواءً، غير أن أحد الجنود صادر الدواء وألقاه بعيداً.

 

ويضيف أنهم جُردوا من ملابسهم، وأُلبسوا الملابس التي يرتديها الأسرى الفلسطينيون، ثم أودعوا خياماً تضم أسرة حديدية، بعد أن نزعت عنهم الأصفاد. كما فرض عليهم مشاهدة برامج تلفزيونية تعرض الخسائر التي ألحقتها حركة حماس بإسرائيل.

 

وفي صباح اليوم التالي أُبلغوا بأن المحكمة قررت الإفراج عنهم، لكن السلطات طلبت منهم توقيع وثيقة تفيد بأنهم دخلوا إسرائيل بطريقة غير شرعية، إلا أن أحداً منهم لم يوقع عليها، لأنهم كانوا يؤكدون أنهم اختطفوا من المياه الدولية ولم يدخلوا الأراضي الإسرائيلية بإرادتهم.

 

وفي النهاية نقلوا بالحافلات إلى مدينة إيلات المطلة على خليج العقبة، حيث كانت ثلاث طائرات تركية بانتظارهم، أقلتهم إلى مدينة إسطنبول، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر التجارب التي يصفها بأنها كانت قسوة وخطورة في حياته السياسية والإنسانية.

 

نقلا عن تقدمي

أحد, 28/06/2026 - 12:27