
ناشط ومحلل سياسي
اطلع الرأي العام الوطني على نسخ متعددة من وثيقة تُسمّى “الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني”، صادرة عن منسقية الحوار، وكان آخرها نسخة أُدرجت فيها أسماء بعض الأشخاص ممثلين لمكونات من الطيف الحزبي، بصيغة توحي بأنها محل إجماع من جميع الأطراف.
وتستدعي هذه الوثيقة، بالنسبة لي، جملة من الملاحظات:
-على الرغم من أن أهم ما يُنتظر عادة من الوثائق المرجعية للحوارات هو تحديد أطراف الحوار، وموضوعاته، وآليات اتخاذ القرار داخله، فإن هذه الوثيقة لم تحدد آلية لاتخاذ القرارات على مختلف مستويات ومراحل الحوار. كما اعتمدت قدرًا من الغموض والتمييع فيما يتعلق بأطراف الحوار وموضوعاته.
ففيما يتعلق بالأطراف، فتحت المجال على نطاق واسع أمام المجتمع المدني، والنقابيين، والشخصيات المستقلة، بما قد يؤدي إلى إغراق الحوار بصورة يستحيل معها تحديد الجهة التي تتخذ القرار. أما فيما يتعلق بالموضوعات، فقد أشارت الوثيقة إلى أنها مفتوحة دون حدود أو ضوابط، وهو ما يسمح بطرح أي موضوع، بصرف النظر عن مدى مشروعيته الدستورية أو القانونية أو المجتمعية، الأمر الذي قد يهدد ثوابت الوطن ومقدساته، ويحوّل الحوار إلى فرصة للصراع والنزاع بدل أن يكون سبيلًا إلى الوفاق.
-كما تضمنت ورشات الحوار موضوعات خلافية صيغت بلغة أيديولوجية حادة ومصنفة سلفًا، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الجهة المشرفة على التحضير للحوار على التعاطي بحياد مع مختلف الآراء والأطروحات.
-فالورشات المقترحة ضمن محور الوحدة الوطنية، بصيغتها الحالية، تثير جملة من الإشكالات الموضوعية التي تستحق المراجعة، حتى يكون الحوار أكثر شمولًا وتوازنًا وانسجامًا مع المرجعية الدستورية الجامعة.
*أولًا: ما يسمى بملف الإرث الإنساني*
إن اعتماد ما يسمى بـ”ملف الإرث الإنساني” عنوانًا مستقلًا ضمن ورشات الحوار يطرح إشكالًا منهجيًا ومفاهيميًا، لأنه يقوم على مقاربة لا تعكس شمولية الذاكرة الوطنية، وإنما يركز على قضية خاصة بمجموعة بعينها، ويحصر النقاش في أحداث الفترة الممتدة بين سنتي 1989 و1991.
كما أن هذا المصطلح، في أصله، مستورد من تجارب شهدت تصفيات عرقية في بعض الدول الإفريقية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما يجعل إسقاطه على الحالة الموريتانية محل نقاش، خاصة أن توظيفه يحمل دلالات سياسية وقانونية تتجاوز مجرد توصيف الوقائع التاريخية.
ويبدو أن هذا المفهوم، الذي ظل يتبناه نشطاء حركة «أفلام» وحلفاؤهم، أصبح حاضرًا في أولويات دليل الحوار، بما يوحي بتبني رؤية طرف سياسي محدد للأحداث، في حين أن الحوار الوطني يفترض أن ينطلق من مقاربة جامعة، لا من رواية أحادية.
ومن المعروف أن أصحاب هذا الطرح يعتبرون أن ما تعرض له عدد من العسكريين المنتمين إلى مجموعة «اتكارير» كان تصفية عرقية على أساس الانتماء الإثني، وليس نتيجة أحداث مرتبطة بصراع مع النظام القائم آنذاك، وهو توصيف لا يحظى بإجماع وطني، ولا يجوز اعتماده منطلقًا للحوار قبل أن يكون محل توافق بين مختلف الموريتانيين.
ومن ثم، فإن العدالة والإنصاف يقتضيان اعتماد مقاربة وطنية شاملة تستوعب جميع الانتهاكات والمظالم التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال، وتعترف بجميع الضحايا، دون انتقائية في الذاكرة الوطنية أو تمييز بين المواطنين على أساس الانتماء العرقي أو الجهوي أو السياسي.
كما يثير إصرار الجهة المشرفة على تحضير الحوار على الاحتفاظ بهذا المصطلح المثير للجدل، والمصنف سياسيًا، استغرابًا لدى الرأي العام، وذلك بسبب الاعتراضات الواسعة التي أثارها في الساحة الوطنية، ومطالبة الأطراف الرئيسية في الحوار بضرورة تعديله.
ويمثل هذا الإصرار تجسيدًا لمبدأ الكيل بمكيالين من طرف من صاغ الدليل؛ إذ يبيح من جهة إمكانية مناقشة أي موضوع في الحوار، بينما يمتنع من جهة أخرى عن الاستجابة لمطلب وجيه تقدمت به طائفة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية، يتمثل في اعتماد موضوع انتهاكات حقوق الإنسان في ظل الدولة الوطنية إطارًا أشمل وأكثر توازنًا.
*ثانيًا: الهوية الوطنية*
إن إدراج موضوع الهوية ضمن محاور الحوار الوطني يمثل تجاوزًا غير مبرر للأسس الدستورية التي تمثل العقد الجامع بين جميع الموريتانيين.
فديباجة دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية تؤكد أن الشعب الموريتاني شعب مسلم، عربي، إفريقي، كما تعلن تمسكه بالإسلام، وبمبادئ الديمقراطية، وحقوق الإنسان، ودولة القانون، والعدالة الاجتماعية، وتجعل تعزيز الوحدة الوطنية مقصدًا دستوريًا أصيلًا.
وبناءً على ذلك، فإن الهوية الوطنية ليست موضوعًا لإعادة التعريف أو التفاوض، وإنما هي قضية حسمها الدستور، ويجب أن يتجه الحوار إلى بحث السبل الكفيلة بترسيخ الوحدة الوطنية، وتعزيز المواطنة المتساوية، وتجسيد المبادئ الدستورية في الواقع، بما يعزز الانسجام بين مختلف مكونات المجتمع.
*ثالثًا: التنوع الثقافي ومسألة اللغات*
يثير إدراج مسألة اللغات ضمن محاور الحوار تساؤلات، لأن الدستور الموريتاني سبق أن حسم هذه القضية بصورة واضحة، فنص على أن العربية هي اللغة الرسمية للدولة، مع الاعتراف باللغات الوطنية الأخرى بوصفها مكونات من مكونات التراث الثقافي الوطني.
وفي هذا السياق، تنص المادة السادسة من دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية على ما يلي:
“اللغات الوطنية هي العربية، والبولارية، والسوننكية، والولفية.
واللغة الرسمية هي العربية.”
وعليه، فإن الأولى أن يتركز النقاش على وضع السياسات والآليات الكفيلة بتجسيد هذه المقتضيات الدستورية، وتعزيز وتكريس الاستقلال الثقافي في إطارها، بدل إعادة فتح نقاش حول مسائل سبق أن حسمها الدستور.
*رابعًا: الإصلاحات المؤسسية والسياسية*
تتضمن المحاور المطروحة في هذه الورشة قضايا ذات طبيعة مؤسسية وتنظيمية، الأمر الذي يقتضي أن تنطلق من المرجعية الدستورية القائمة، وأن يكون هدفها تطوير أداء مؤسسات الدولة وتعزيز الحكامة الرشيدة، لا إعادة طرح قضايا سبق أن حسمها الدستور أو القوانين المنظمة.
كما أن أي إصلاح سياسي أو مؤسسي لا يحقق أهدافه إلا إذا انطلق من تشخيص موضوعي للتحديات القائمة، وربط أولويات الإصلاح باحتياجات المواطنين، وتعزيز فعالية المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتكريس مبادئ الشفافية والمساءلة، بما يسهم في رفع كفاءة الإدارة العمومية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
وتأسيسًا على ذلك، فإن نجاح هذه الورشة يظل رهينًا ببناء توافق وطني واسع حول أولويات الإصلاح، بعيدًا عن المقاربات الفئوية أو الرؤى الجزئية، وبما يضمن أن تكون مخرجات الحوار منسجمة مع أحكام الدستور، وقادرة على إرساء إصلاحات مستدامة تحظى بإجماع وطني واسع.
*الخاتمة*
إن نجاح الحوار الوطني يظل مرهونًا بقدرته على اعتماد مقاربة وطنية شاملة تعالج مختلف القضايا بروح المسؤولية والإنصاف، وتستند إلى المرجعية الدستورية باعتبارها الإطار الجامع للدولة والمجتمع. كما يقتضي أن يكون الحوار معبرًا عن مصالح جميع الموريتانيين، بعيدًا عن الانتقائية في معالجة ملفات الماضي، أو إعادة فتح قضايا حسمها الدستور، بما يعزز الوحدة الوطنية، ويكرس دولة القانون والمؤسسات، ويؤسس لإصلاحات سياسية ومؤسسية تحظى بإجماع وطني واسع.


.gif)

.jpg)


.jpg)