
إن طغيان الشعبوية و غياب البوصلة في المشهد السياسي و تنامي خطابات الإساءة و التشهير ، يمثل أزمة قيم حقيقية تتطلب من النخب و الفاعلين و المجتمع المدني تداركا عاجلا يُعيد للعمل السياسي هيبته و أخلاقه.
واقع مُر تسبب بالفعل في أزمة قيم عميقة أدت إلي تراجع الخطاب العقلاني و البرامج الوطنية لصالح المزايدات العرقية و الشرائحية ،
و علي نحو أصبح يهدد تماسك المشهد السياسي و مصداقية مؤسسات الدولة .
تتجلي خطورة هذا الواقع في عدة محاور أساسية: -
1 - غياب الوعي وتراجع البرامج لصالح الهويات الفرعية: حيث لم تعد النقاشات السياسية تتمحور حول التحديات الإقتصادية القائمة أو المطالبة بتحسين جودة الخدمات الأساسية كالصحة ، التعليم ، الكهرباء ، الماء....الخ .
بل تحولت إلي ساحة للتعبئة الشرائحية و القبلية و الجهوية، حيث تستغل بعض الخطابات الشعبوية قضايا الغبن التاريخي و الإرث الإنساني ليس للوصول إلي حلول مؤسساتية عادلة بل لتأجيج المشاعر و كسب مكاسب ضيقة فيما بات يعرف بالإسترزاق السياسي و الحقوقي .
2 - الديماغوجية و إغتيال الشخصية: النزول باللغة السياسية إلي مستويات متدنية تعتمد علي تجريح الخصوم و إنتهاك الخصوصيات و القذف و النيل أحيانا من هيبة الدولة بدلا من التنافس في الأفكار و البرامج ،
مما يعكس تراجعا ملحوظا في ثقافة الإحترام و القيم المتجذرة في المجتمع الموريتاني.
3 - خطاب الكراهية و الإنقسام : تقسيم المجتمع إلي فئات متناحرة ( نحن الصالحون مقابل هم الفاسدون ) مما يمزق النسيج الاجتماعي و يهدد التعايش الأهلي،
و يؤكد مدي تأثير هذا الخطاب علي الاستقرار و الممارسة الديمقراطية.
4 - الإستغلال السيئ و الخطير لوسائل التواصل الاجتماعي : إستخدام منصات الإعلام الرقمي كوسيلة لتمرير خطابات الكراهية والإساءة للنيل من الأعراض و تصفية الحسابات بدلا من التنافس البناء .
حيث تحولت هذه الوسائل إلي مساحات معقدة فرغم دورها في التواصل أصبحت بيئة خصبة و ملاذا آمنا لنشر الكراهية و الإساءة و التهويل و التضليل .
فما هي إذن خطوات التدارك المطلوبة في هذا السياق ؟
_ تفعيل القوانين الرادعة : محاسبة كل من تجاوز حرية التعبير المسؤولة إلي خطاب الكراهية أو التجريح الشخصي .
_ إرتقاء النخة بالخطاب : إلتزام الساسة و الفاعلين باخلاقيات المهنة السياسية و التركيز علي تقديم الحلول للأزمات الإقتصادية و الاجتماعية بدل القفز علي الواقع و ركوب الأمواج لحاجة في نفس يعقوب .
_ الوعي المجتمعي : رفع وعي الرأي العام بضرورة التمييز بين المطالب الشعبية المحقة و بين الخطاب الشعبوي الإستهلاكي .
تأسيسا لما سبق يُجمع معظم المحللين و المراقبين للشأن الوطني علي أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية و تغليب المصلحة الوطنية علي الإنتماءات الضيقة ، و إصلاح المؤسسات التشريعية ،
لتعود ساحة للنقاش الجاد و الراقي بدلا من الفوضي و النعرات الهدامة .
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
حفظ الله موريتانيا




.gif)

.jpg)


.jpg)