مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

الإعلامي إمام الدين ولد أحمدو يكتب: "ملاحظات على هامش المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية

حظي المؤتمر الصحفي الذي نظمه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، باهتمام واسع من الموريتانيين منذ الإعلان عنه وحتى لحظة بثه عبر وسائل الإعلام.

ولعل هذا الاهتمام يعود إلى كونه المرة الأولى التي يظهر فيها رئيس البلاد في مؤتمر صحفي مباشر مع وسائل الإعلام الوطنية، إضافة إلى محدودية الأداء الإعلامي للمحيط الرئاسي، وضعف التواصل الذي طبع أداء الجهات المكلفة بهذا الملف خلال السنوات الماضية.

ورغم أن رئيس الجمهورية نجح في رفع التحدي، وقدم صورة مغايرة لما كان يتوقعه كثيرون، إذ بدا مطلعا على أدق تفاصيل الملفات الوطنية، وواثقا في إجاباته، ومتمكنا من القضايا المطروحة، فإن الجهات المشرفة على تنظيم المؤتمر لم تكن في مستوى الحدث، بل بدا وكأنها اطمأنت إلى أن أحدا لن يحاسبها على ما وقع من إخفاقات، فلم تبذل الجهد الكافي لتقديم صورة تليق بمقام رئيس الدولة.

فقد بدأ المؤتمر متأخرا، وبدت حالة من الارتباك في التنظيم، كما رافق حديث الرئيس تشويش وتقطّع في الصوت، وتكررت محاولات إصلاح الميكروفونات أمام عدسات الكاميرات، فضلا عن حركات وتصرفات لا تنسجم مع أبسط قواعد البروتوكول في مناسبة رسمية بهذا الحجم.

كما أن الزوايا التي التُقطت منها بعض الصور لم تكن موفقة، إذ أظهرت رئيس الجمهورية في لقطات لا تليق بمكانته، ولا تعكس هيبة المناسبة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستوى الإعداد والإخراج الإعلامي لهذا الحدث.

وهنا يبرز سؤال مشروع: هل بلغ الاطمئنان ببعض المسؤولين حد الاعتقاد بأن مثل هذه الإخفاقات يمكن أن تمر دون مساءلة أو محاسبة؟

إن ما حدث يثير علامات استفهام كبيرة حول أداء الجهة المنظمة، سواء كانت المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية أو الوزارة الوصية على قطاع الاتصال، وهما جهتان سبق أن وُجهت إليهما انتقادات بسبب إخفاقات مشابهة في مناسبات سابقة.

ومع تكرار هذه المشاهد، يبدو أن القائمين على التنظيم لا يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، ولا يقدّرون المكانة الرمزية لرئيس الجمهورية، وكأنهم يعملون في مأمن من أي تقييم أو مساءلة.

ومن الملاحظ أيضا أن وزارة الثقافة، التي ما فتئت تؤكد حرصها على تنظيم الحقل الإعلامي ومحاربة الدخلاء على مهنة الصحافة، وجدت نفسها أمام مشهد يثير تساؤلات حول مدى اتساق خطابها مع ما جرى على أرض الواقع. فقد كشف التصفيق الصادر من داخل القاعة عن خلل واضح في طبيعة الحضور، إذ إن التصفيق في مثل هذه المناسبات لا ينسجم مع الأعراف المهنية للمؤتمرات الصحفية، وأوحى بأن عددا معتبرا من الحاضرين لا يمارسون العمل الصحفي وفق معاييره المهنية.

فهل سبق أن شاهدنا، في أي دولة تُدار فيها المؤتمرات الصحفية وفق المعايير المهنية، صحفيين يصفقون أثناء مؤتمر صحفي لرئيس الدولة؟

كما كشف المؤتمر عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي للوزارة بشأن تنقية الحقل الإعلامي ومحاربة الدخلاء، وبين طبيعة المشاركين في هذا الحدث، فبينما جرى إقصاء عدد معتبر من الصحفيين المهنيين المعروفين، ضمت القاعة أشخاصا تعرف الجهات المنظمة جيدا أنهم لا يمارسون الصحافة مهنة، أو يفتقرون إلى الحد الأدنى من معاييرها المهنية.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل بدا واضحا أن معايير الدعوة إلى المؤتمر لم تستند، في كثير من الحالات، إلى الكفاءة المهنية أو الخبرة الصحفية، بقدر ما خضعت لاعتبارات أخرى، وهو ما انعكس على طبيعة الحضور ومستوى التفاعل داخل القاعة.

إن ما حدث يعزز الانطباع بأن إدارة الحقل الإعلامي ما تزال رهينة اعتبارات غير مهنية، وأن المشهد الإعلامي بات موزعا بين دوائر نفوذ متعددة، لكل منها من تمثلهم أو تدفع بهم إلى مثل هذه المناسبات، حتى وإن كانوا بعيدين عن الممارسة الصحفية الحقيقية.

وفي المقابل يجد كثير من الصحفيين المهنيين أنفسهم خارج المشهد، إما لأنهم يرفضون الارتهان للوساطات، أو لأنهم يتمسكون باستقلاليتهم المهنية.

وخلاصة القول إن أداء رئيس الجمهورية في المؤتمر كان في مجمله جيدا، وأظهر إلماما بالملفات المطروحة وثقة في الإجابة عنها، غير أن التنظيم والإخراج الإعلامي لم يرتقيا إلى مستوى هذا الأداء، وهو ما يستوجب مراجعة جادة، ومساءلة القائمين على هذا الملف، حتى لا تتكرر مثل هذه المشاهد في مناسبات رسمية تمثل واجهة الدولة أمام مواطنيها والرأي العام.

سبت, 25/07/2026 - 19:04