مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

الإعلامي أحمد محمد المصطفى يكتب: ملاحظات حول مؤتمر الرئيس الصحفي

نظم الرئيس محمد ولد الغزواني ليلة البارحة مؤتمرا صحفيا، مباشرا هو الأول منذ تسلمه السلطة فاتح أغسطس 2019، أو هو الثاني إذا اعتبرنا المؤتمر الصحفي "المسجل" مارس 2020.

سبق المؤتمر الصحفي بـ"حملة" تكهنات وعلاقات عامة منحته طابعا خاصا، وربما رفعت سقف التوقع منه، وساهم في ذلك الإعلانات المتتالية حوله من المكتب الإعلامي للرئاسة.

من البدهي، أن المؤتمر الصحفي في حد ذاته خطوة إيجابية تستحق التشجيع والتنويه، بل واعتماده موعدا دوريا فصليا أو نصف سنوي فيما بقي من المأمورية الثانية والأخيرة (وهناك نماذج دولية بعضها في دول مجاورة يمكن الاستفادة منها).

ولعل مما يدعم هذه الفكرة اعتراف الرئيس بأن لقاءاته ومقابلاته مع الصحافة الموريتانية كانت محدودة جدا، إن لم تكن معدومة، وتأكيده عدم الارتياح لشعور بعض الصحفيين الموريتانيين أنه "يؤثر" عليهم الصحفيين الأجانب، وأبدائه الاستعداد لتكرار هذا اللقاء، وتحميله للصحفيين جزءا من المسؤولية عن ذلك، لأنه لم يصله أي طلب مقابلة منهم.

كان الحضور الصحفي كبيرا ومتنوعا، وكانت الأسئلة في أغلبها جيدة، وغطت جل المواضيع المطروحة اليوم لدى الرأي وإن أثر على بعضها الارتباك، ورهبة الموقف (غابت أسئلة ما كان ينبغي لها أن تغيب، وسأعرض لها لاحقا)، وكان سؤال الأخ المدير الهيبه الشيخ سيداتي في قمتها، بل هو سؤال المؤتمر الصحفي، ويبدو أن الرئيس تفاجأ به، مع أنه لا يتصور أن ينعقد "نقاش عام"، أو ينظم مؤتمر صحفي في البلاد دون حضور ملف الفساد في صدارته.

كما كانت أسئلة الإخوة والزملاء السالك زيد، Saleck Zeid - السالك زيد وآمنة زيدان Aminetou Zeidane وباب ولد حرمه Baba Horma مفيدة وواردة، والإجابة عنها من أعلى هرم في السلطة مطلوبة، بل ملحة.

أما بخصوص أجوبة الرئيس، فقد جاءت في عمومها متناسبة مع نوعية الأسئلة، وحاولت الإحاطة بها، غير أنها تأثرت بإشكالية قديمة لدى الرئيس، ويبدو أنه لم يتخلص منها إلى اليوم، أذكر أني دونت عنها سابقا في مثل هذه الأيام من العام 2021، وهي إشكالية الاستطراد أثناء الحديث، والانتقال من فكرة قبل إكمالها إلى أخرى، ما يشوش على المتلقين، ويجعل الرسائل والأفكار التي تصلهم مشوشة أو غير مكتملة.

حافظ الرئيس خلال المؤتمر الصحفي على مستوى من الهدوء والتعاطي الطبيعي، وخاطب العديد من الصحفيين بأسمائهم في محاولة لكسر جزء من حواجز رسمية اللقاء، وإضفاء شيء من الأريحية عليه.

كان الرئيس أكثر انطلاقا وانسيابية في الحديث عن رؤاه وبرامجه ومشاريعه، وأداء حكوماته، ومساعيه وطموحاته لمستقبل البلاد، وأكثر ترددا، وتحفظا عند الحديث عن الفساد، وعن الحقوق والحريات، وعن الأوضاع الإقليمية.

وأعتقد أنه "نجح" في إذابة جزء معتبر من الحاجز الجليدي السميك الذي كان يعزله عن الصحفيين الموريتانيين، وتجاوز بعضا من رهبة "المباشر"، وبناء عليه، فلا أستبعد أن يكرر التجربة في قادم الأسابيع أو الأشهر، وأن يستجيب للطلب الذي قدم له خلال المؤتمر الصحفي بجعله دوريا.

أبرز الرسائل..

وإذا كان لي أن أحدد أهم رسائل المؤتمر الصحفي، فسيكون ترتيبها كالتالي:

- أعتقد أن أهم رسالة حملها المؤتمر الصحفي، وحرص الرئيس على توصيلها هي رسالة "ثقة" في الحكومة وفي الوزير الأول المختار ولد اجاي، فقد نوه بما أنجزته في مجالات مختلفة، وخصوصا في المجالات الخدمية رغم الظروف غير السهلة – والتعبير له - وطنيا وإقليميا ودوليا، ووصف عملها بـ"الجبار"، وأشاد به، ودعاها للمزيد من العمل، وحرص على التصريح بتنسيق الوزير الأول لهذا العمل، مع أنه أمر بدهي، وهي رسالة موجهة في أكثر من اتجاه؛ للحكومة بمنحها الثقة لمواصلة العمل، ولمناوئيها خصوصا داخل النظام برضاه عن أداء الحكومة، وتزكيته لتوجهها، وأن عليهم أن يؤجلوا حربهم عليها إلى حين، والرسالة الثالثة للرأي العام، وخصوصا "هواة" إشاعات التعديلات الوزارية، وتحديدا عند اقتراب مناسبة ما كالذكرى السنوية للتنصيب، أو الحوار أو غيره، بأن عليهم تأجيل توقعاتهم إلى حين.

- أما الرسالة الثانية، فهي المتعقلة بالمأمورية الثالثة، علما أن موضوع 2029 أوسع وأشمل من مجرد المأمورية، ففيه الاستخلاف، والصراعات الداخلية وانقسام الأغلبية، وموقع المؤسسة العسكرية في العملية، ومع أن موقفه من المأمورية شابه شيء من الضبابية في ربط الموضوع بالدستور وبالإدارة الشعبية، فإن قوله إنه سيسلم السلطة عند نهاية مأموريته لمن انتخبه الشعب، وأنه سينشغل حتى ذلك الحين في تنفيذ برنامجه، موقف صريح وواضح. مع أن ما لم تضمنه النصوص القانونية فلن تحققه التصريحات الإعلامية،

لفت انتباهي حجم اهتمام الرئيس بالموضوع، وتصنيفه له ضمن "أجندات التشويش على النظام"، مع أن جزءا معتبرا منها قادم من داخل الأغلبية، والحزب الحاكم، والدائرة الحاكمة عموما، فقد أرخ لبدايته بالأشهر الأربعة بعد تنصيبه رئيسا لمأمورية ثانية، وحاول التوقف مع مختلف محطاته، قبل أن يذكر بالإلزام الدستوري، وبالإدارة الشعبية.

والحقيقة، أن موضوع المأمورية والاستخلاف "وشرنقة" 2029، لن يحسم نقاشها إلا بعد قول صناديق الاقتراع كلمتها، إن كانت ستقول كلمتها فعلا.

- أما الرسالة الثالثة، فهي المتعلقة باستيائه من طبيعة النقاش العام، وبشكل خاص من خطاب برلمانيتي حركة "إيرا" الحقوقية ونشطائها، وإن لم يذكرهما بالاسم، ومع أن موضوع سجنهما وانتزاع صفتهما البرلمانية غاب عن المؤتمر الصحفي بشكل كلي، فإن حديث الرئيس عن قانون الرموز ركز عليهما بشكل مباشر، ومثل ببعض حديثهما على النقاش غير المقبول، والذي يتجاوز النقد إلى التجريح والتشهير والاتهامات.

- أما الرسالة الرابعة، فكانت تكرارا لرسائل سابقة حول موضوع الفساد، وتوسيع دائرته من مجرد الفساد الإداري والمالي إلى الفساد الشامل، أي الفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي، والتأكيد أن مسؤولية محاربته تقع على الجميع. والحقيقة أن هذا الطرح قد يكون أقرب لـ"تبرير" الفساد أو تشريعه. فمسؤولية السلطة هي مواجهة الفساد بكل أنواعه، ولكل نمط أسلوب أنسب للمواجهة، وانتشار نوع أو نمط منه لا يبرر التغاضي عن الأسباب الأخرى أو التصالح والتساهل معها، "الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، و"الناس على دين ملوكهم".

أخطاء المؤتمر الصحفي

عرف المؤتمر الصحفي أخطاء أثرت على صورته، "وتجاوزات" في حق الصحفيين، من بينها غياب مواضيع ما كان لها أن تغيب، في ظل أن المعيار الأكثر موضوعية هو اهتمام الرأي العام، وتشوفه للموقف الرسمي من الموضوع، إضافة لقرارات في حق الصحفيين المشاركين في المؤتمر الصحفي.

فقد كان لافتا غياب موضوع الظروف المعيشية للمواطنين، وموضوع الأسعار بشكل عام، وخصوصا أسعار المحروقات، وارتهان اقتصاد البلد لسياسات وأجندات صندوق النقد الدولي، واحتكار مجموعات قليلة وأسر محددة لمجالات حيوية للشعب.

وأعتقد أنه كان يستحق أن يفرده الرئيس بحديث خاص في توطئته قبل المؤتمر الصحفي، أو يعرج عليه في ختام المؤتمر الصحفي ما دام غاب عن الأسئلة، فهو بكل تأكيد في صدارة اهتمام المواطنين، وبالتأكيد كان سيسرون بأي بادرة أمل فيه، حتى ولو كانت مجرد وعد أو بعث أمل ما..

كما غاب موضوع الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، والظروف الصحية التي يمر بها، وما آل إليه ملف العشرية بعد سنوات من التقاضي والتحقيقات.

وكان ثالث المواضيع التي كان غيابها عن الأسئلة لافتا، وإن حضرت في الأجوبة بشكل غير مباشر، موضوع برلمانيتي منظمة "إيرا" مريم الشيخ جينغ وقامو عاشور سالم، وسجنهما لأشهر، وانتزاع مقعديهما البرلمانيين، أو السعي لذلك، وملف العلاقة المتقلبة بمنظمة "إيرا" بشكل عام.

وأعتقد أنه بإمكان فريق الرئيس إعداد أجوبة مباشرة حول هذه المواضيع، أو تهرب محترف، أو تبرير معقول، بدل تجاهلها بشكل كلي.

كما أن من أخطاء المؤتمر الصحفي منع الصحفيين من إدخال هواتفهم ومصادرتها منهم عند البوابة، وهي في الحقيقة ضرورية لأداء عملهم، بل إن بعضهم يقوم بكل أنشطته الإعلامية من خلالها، وكان الأولى تركهم يدخلون بها فهو مؤتمر صحفي، وليس اجتماعا مغلقا، أو لقاء خاصا.

كما أن منعهم من إدخال معدات تصويرهم، واحتكار إشارة البث لجهة وحيدة حد من تعدد الخيارات والزوايا، وإن كان بالإمكان تفهم الأخيرة أي توحيد الإشارة لأسباب تنظيمية، فإن منع إدخال المعدات حرم كل وسيلة إعلام من التفرد بصورة خاص بها، ومن توثيق الجوانب والمواضيع التي تهمها أكثر، ومن تصوير القاعة وفق سياستها وأولوياتها التحريرية.

وعموما، أرى أن تجربة المؤتمر الصحفي كانت مفيدة، وتستحق أن تتكرر، وأن يمنح الرئيس مقابلات لوسائل الإعلام الموريتانية، ولمراسلي وسائل الإعلام الدولية في موريتانيا، وأن يكون ذلك جزءا من "إرادة" حقيقية تعيد للصحافة قيمتها لدى الجهات الرسمية، ومصداقيتها، وتضمن تطبيق نصوصها، وتبعد عنها من لا يستحق اعتلاء عرشها أو اعتمار تاجها

سبت, 25/07/2026 - 19:17