مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

نقيب المحامين يكتب: "رداً على المقالات التي تناولت مسألة تصحيح اللائحة الانتخابية"

كتب نقيب المحامين بونا ولد الحسن:

يسعدني أن يكون النقاش قانونياً خالصاً، لأن اختلاف الاجتهادات يثري المهنة، واختلاف المواقع والمشارب يؤدي لاختلاف  الرؤى ،أما النصوص فلا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن مقاصدها، ولا أن تتحول أخطاء الإدارة إلى سبب لإهدار الحقوق.
وقبل تناول الموضوع ، انبه ان غبار  الحملات الانتخابية لا ينبغي ان يعمينا  عن الفهم السليم للنصوص والممارسة الراسخة، لم اعلم ان احدا اعترض على النقيب المحترم الاستاذ ابراهيم ابتي حين أضاف ،يوم الاقتراع،زميلا مستوفي الشروط ،سقط اسمه خطأ. ولم اعترض رغم المنافسة ورغم علمي ان صوت الزميل المحترم لصالح غيري 

وقد قرأت باهتمام المقالات التي تناولت قرار تصحيح اللائحة الانتخابية، وأقدر لأصحابها حرصهم على الاحتكام إلى النصوص القانونية، غير أنني أختلف معهم في تكييف الواقعة وفي فهم المقصود من المادة (66) من قانون المحاماة.

ذلك أن النصوص القانونية لا تُقرأ باعتبارها كلمات متراصة أو حروفاً جامدة، وإنما تُفسَّر في ضوء غاياتها ومقاصدها، بما يحقق العدالة ويحفظ الحقوق، لا بما يجعل الخطأ الإداري سبباً في إهدارها.

1: المادة (66) نظمت الطعون، ولم تمنع تصحيح الأخطاء المادية

المقصود بإحالة النزاع إلى الغرف المجمعة بالمحكمة العليا هو الحالات التي يثور فيها خلاف حول استحقاق الشخص للقيد أو الشطب، أو حول مدى توافر الشروط القانونية.

أما إذا كان المحامي قد استوفى جميع شروط الإدراج، وأودع ملفه في الآجال القانونية(استعملت عبارة ملفه عن وعي) ، ثم سقط اسمه سهواً أو بسبب خطأ في إعداد اللائحة، فإن الأمر لا يتعلق بنزاع قانوني، وإنما بخطأ مادي محض.

فالمحكمة العليا لا يُلجأ إليها لإثبات حق ثابت لا ينازع فيه أحد، وإنما للفصل في الحقوق المتنازع عليها.

ولو أخذنا بالتفسير الوارد في تلك المقالات، لوجب على كل محام سقط اسمه بخطأ إداري، ولو كان نقيباً سابقاً أو عميداً  لكلية الحقوق مثل الكتور محمد محمود الذي استوفى الشروط ولم يتم تسجيله ، أن يلجأ إلى المحكمة العليا ليسترد حقاً لم يفقده قانوناً، وإنما حجبه خطأ مادي في إعداد اللائحة. وهذا تحميل للنص بما لا يحتمل، وجعل للإجراءات غاية في ذاتها، بينما أرادها المشرع وسيلة لحماية الحقوق.

2/المادة (301) لا تحصر الخطأ المادي في الأخطاء الإملائية أو الحسابية

استندت بعض المقالات إلى المادة (301) من قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية، وذهبت إلى أن الخطأ المادي يقتصر على الأخطاء الإملائية أو الحسابية أو أخطاء الأسماء.

غير أن هذا الاستنتاج لا يستقيم مع صياغة النص، فالمشرع لم يورد هذه الحالات على سبيل الحصر، وإنما ضمنها عبارة عامة هي: “أو غير ذلك من الأخطاء الجلية.”
ولو أراد الحصر لما أورد هذه العبارة.
وقد استقر الفقه والقضاء على أن الخطأ المادي هو كل خطأ ظاهر في الكتابة أو النقل أو التفريغ أو الإغفال أو الحساب، لا يعبر عن الإرادة الحقيقية للجهة التي أصدرت القرار، ويكون تصحيحه ممكناً دون المساس بجوهر الحق أو إنشاء مركز قانوني جديد.

وبتطبيق هذا التعريف على الواقعة محل النقاش، يتبين أن سقوط اسم محام استوفى جميع شروط الإدراج، وثبت ذلك من الملفات المودعة لدى الهيئة، لا ينشئ نزاعاً في الحق، وإنما يكشف عن خطأ مادي جلي في إعداد اللائحة، لأن الحق كان قائماً قبل نشرها، وكل ما يفعله التصحيح هو إزالة أثر ذلك الإغفال وإعادة اللائحة إلى صورتها القانونية الصحيحة.

3/: العبرة بطبيعة الحق، لا بعدد الأسماء

ذهبت بعض المقالات إلى أن إضافة واحد وأربعين اسماً لا يمكن اعتبارها تصحيحاً لخطأ مادي، وإنما تعديلاً جوهرياً ينشئ مراكز قانونية جديدة.
وهذا خلط بين عدد الحالات وطبيعتها القانونية.
فالحق لا يتغير بكثرة أصحابه.
إضافة اسم واحد، أو عشرة أسماء، أو واحد وأربعين اسماً، لا تنشئ مركزاً قانونياً جديداً إذا كان أصحابها قد استوفوا شروط الإدراج قبل نشر اللائحة.

فالقرار هنا ليس منشئاً للحق، وإنما كاشف له، والقرار الكاشف لا يخلق حقاً، وإنما يثبت وجوده ويزيل أثراً لخطأ مادي حال دون ظهوره.
ولو وقع خلل تقني أدى إلى سقوط أسماء جميع المستحقين، فهل يصبح الخطأ صحيحاً لمجرد كثرة عدد المتضررين؟ الجواب، قطعاً، لا.

4/: تصحيح الخطأ لا يعد تعديلاً للائحة بالمعنى المقصود في المادة (66)

حين نصت المادة (66) على أن المسجلين في اللائحة هم وحدهم من يملكون حق التصويت والترشح، فإنها كانت تتحدث عن اللائحة القانونية الصحيحة، لا عن لائحة ثبت أنها شابها خطأ مادي جلي.

فتصحيح الخطأ لا يمنح حقاً جديداً، ولا يغير مضمون اللائحة، وإنما يعيدها إلى الصورة التي كان يجب أن تصدر بها منذ البداية.

ومن ثم، فإن القول بأن كل إضافة تعد بالضرورة تعديلاً جوهرياً يغفل التمييز المستقر بين القرار المنشئ والقرار الكاشف.

إن النصوص لا تُفسر تفسيراً يؤدي إلى مصادرة الحقوق بسبب أخطاء الإدارة.

فالغاية من القانون هي حماية الحق، لا حماية الخطأ.

وإذا كان استحقاق المحامي للإدراج ثابتاً قبل نشر اللائحة، ولم يكن محل نزاع، فإن تصحيح سقوط اسمه لا ينشئ له حقاً جديداً، وإنما يكشف عن حق قائم، ويزيل أثراً لخطأ مادي جلي، وهو ما ينسجم مع نصوص القانون وروحه، ومع المبادئ المستقرة في الفقه والقضاء.

ولذلك، فإن جوهر الخلاف ليس في احترام المادة (66)، فالجميع متفق على وجوب احترامها، وإنما في التكييف القانوني للواقعة: هل نحن أمام نزاع في الحق يستوجب اللجوء إلى المحكمة العليا، أم أمام خطأ مادي جلي لا يخلق حقاً وإنما يكشف عنه؟

وفي تقديري، فإن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد الطريق القانوني الصحيح، لا مجرد الوقوف عند ظاهر النص دون استحضار مقاصده أو المبادئ العامة التي تحكم تفسيره
ذ/بونا الحسن

اثنين, 27/07/2026 - 11:41