مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

الفساد: هل تصنعه الحاجة أم يغذيه الجشع؟/القاضي محمد ينج محمد محمود

الفساد بدافع الحاجة والفساد بدافع الجشع وبعض وسائل محاربتها
الفساد لغة من فعل فسد الذي هو ضدّ صلح ممّا يشي بأنّه يعني لغة البطلان وعدم الصلاح (1) وفي ضوء القواعد العامة للقانون والمادة: 1 من القانون 2015 / 040 المتضمن القانون التوجيهي المتعلق بمحاربة الفساد ومختلف نصوص القانون رقم: 2025 / 021 المتعلق بمحاربة الفساد يمكن تعريف الفساد بأنّه انحراف النشاط الوظيفي للموظف عن تحري ممارسته لوظيفته بطريقة تخدم الصالح العام للأمة وذلك بشكل متعمد و الفساد حسب اتفاقية الأمم المتحد لمحاربة الفساد (... وباء غادر ... يقوض الديمقراطية وسيادة القانون ويؤدي إلى ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان وتشويه الأسواق وتدهور نوعية الحياة ويتيح ازدهار الجريمة المنظمة والإرهاب وغير ذلك من التهديدات لازدهار الأمن البشري) (2) ولأنّه كذلك سنّت موريتانيا كثيرا من التشريعات الجيدة لمحاربته لكنّها لم تؤت أكلها بشكل كاف حتى الآن بسبب عدم اندفاع مختلف السلطات صوب تطبيقها خاصة النيابة العامة التي هي من يملك سلطة ممارسة الدعوى العمومية (3) ويمكن تقسيم الفساد انطلاقا من معايير مختلفة منها دوافعه حيث يكون هناك فساد بدافع الحاجة وهذا ما سيتم تناوله في مطلب أول وفساد بدافع الجشع وهذا ما سيخصص له المطلب الثاني
المطلب الأول: الفساد بدافع الحاجة
الفساد بدافع الحاجة هو فساد يرتكبه موظفون كثيرا ما يكونون في الوظائف الصغيرة بدافع الحصول على دخل إضافي عندما تكون رواتبهم غير كافية لسدّ حاجاتهم الأساسية وسيتم تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين يتم التعرض في أولاهما لأمثلة من الفساد بدافع الحاجة بينما تخصص الثانية لبعض الأمور التي يمكن أن تشكل طرق علاج له
الفقرة الأولى: أمثلة من الفساد بدافع الحاجة
للفساد بدافع الحاجة كثير من الصور يمكن أن تشكل كلّ واحدة منها مثالا عليه ومن ذلك:
ـ طلب الموظف لرشوة من مواطن مقابل خدمة أو الحصول على أفضلية في الحصول عليها في مستشفى أو مركز للحالة المدنية أو محكمة وذلك على سبيل المثال
ـ التغيب عن محلّ العمل للقيام بأعمال أخرى للحصول على دخل إضافي مثل التدريس في مدرسة خصوصية بالنسبة للمعلم أو الأستاذ أو لممارسة مهنة أخرى مثل المحاماة(4) أو العمل في عيادة خاصة بالنسبة للأطباء والممرضين ....
ويحتمل أنّ هذا النوع من الفساد ساهمت في خلقه وتعزيزه في بلدنا أمور من قبيل عدم إدراك واضعي السياسات في البلد أنّ الموظف هو عقل الإدارة الذي تفكر به وذراعها الذي تجسد به خططها على أرض الواقع كما أنّه هو الأداة التي تقدم بها الدولة مختلف الخدمات للمواطنين وأنّه انطلاقا ممّا سبق يجسد الدولة بشكل من الأشكال وأنّ أيّ مشروع إصلاح للدولة مهما كان يجب أن يستهدفه عبر محاور منها:
● تكوينه بشكل مستمر تكوينا يستهدف الرفع من قدرته على أداء مهامه بشكل ينزع إلى أن يكون قادرا على هذه الوظائف ووضع خطط للقيام بها تنم عن الإبداع وعلى إيجاد حلول خلاقة لما يطرح عليه من المشاكل
● تحسين ظروفه المعيشية بحيث يكون راتبه يؤمن له عيشا كريما أو معقولا على الأقل وهذا ما يدل على عدم مراعاته بعد رواتب معظم الموظفين (المعلمون والأساتذة والممرضون وأفراد الأمن والجنود وضباط الصف ....) عن توخي تحقيق هذا الهدف حيث لا تصل رواتب معظم هؤلاء إلى 20000 أوقية جديدة هذا مع الإشارة إلى أنّ من بين عمال القطاع العام من راتبه في حدود مبلغ: 7000 أوقية وهم من يعرفون بعمال الدعم ويشار إلى أنّ إيجار منزل عاد في الأحياء الشعبية يتراوح بين 4000 أوقية جديدة في ملح و 7000 أوقية جديدة في توجنين و15000 أوقية جديدة في حيّ شهر زاد بتيارت وما يزيد على هذه المبالغ هذا بالإضافة إلى أنّ كلغ اللحم والسمك يناهزان مبلغ: 300 أوقية ويزيدان عليه أمّا تكلفة دراسة التلميذ في المدارس العادية فتتراوح بين 1000 و3000 أوقية في التعليم الاعدادي والثانوي وممّا زاد من صعوبة الوضع بالنسبة لدراسة الأطفال أنّه لا بدّ من دروس خصوصية للتلاميذ لها تكلفتها هي الأخرى والتي لن تقل عن مبلغ: 6000 أوقية بالنسبة لتلميذين أو ثلاثة هذا بالإضافة إلى أنّ تكلفة الكتب المدرسية المطبوعة مرتفعة لأنّ ما تطبع منها الدولة لا يتوفر عادة بشكل مضمون إلا في الأسواق
ويحتمل أنّ الأنظمة المتعاقبة على حكم موريتانيا انشغلت عن التفكير في الموظف وفي إصلاح الوظيفة العمومية وأسباب الفساد فيها بزيادة أعداد الموظفين عبر اكتتابات لست على يقين من أنّها مبرّة في قطاعين أحدهما أعرفه بشكل جيد والآخر أعرفه قليلا عبر زملاء والقطاعان هما:
ـ قطاع العدل: ففي هذا القطاع وبمحكمة استئناف نواكشوط التي أعمل بها هناك عدد من القضاة لا يجلسون إلا نادرا لأنّهم مجرد مستشارين احتياطيين لا حاجة للمحاكم فيهم كما أنّ بمكاتب وزارة العدل يتبادل بعض العمال على العمل بشكل اسبوعي حيث لا يأتي أحدهم للعمل إلا مرة واحدة في الأسبوع والغريب أنّ الحكومة برمجت اكتتابات خارجية كبيرة لصالح هذه الوزارة وأظنّ أنّ الأولى من هذا الاكتتابات إن كان لا بدّ منه العمل على دمج من يعمل بالوزارة فعلا منذ زمن إن أمكن ذلك
ـ قطاع التعليم: هذا القطاع يكتتب كلّ سنة تقريبا هذا مع الإشارة إلى أنّني أعرف كثيرا من أفراده لا يمارسون أيّ عمل حقيقي بل إنّ بعض الكاتبات والمعينين فيه رؤساء أقسام على الأقلّ لا يأتون لمكاتبهم إلا بضع ساعات من يوم واحد في الأسبوع حسب الذي ذكر لي أحد العاملين فيه وذلك لأنّهم يتناوبون مع غيرهم بالطريقة التي أشير إليها أعلاه في وزارة العدل وربما يكون الوضع شاملا لوظائف أخرى مثل رؤساء المصالح ....
الفقرة الثانية: طرق محاربة الفساد بدافع الحاجة
تمكن مكافحة هذا النوع من الفساد بطرق كثيرة منها اعتماد سياسات متعددة يحتمل أن يكون على رأسها:
ا ـ الكفّ عن الاكتتابات غير المبرّرة ومعاقبة من قام بها في السابق
ب ـ زيادة رواتب الموظفين بحيث تكون كافية لإعاشتهم عيشة معقولة ذلك أنّ الموظف العادي في الظروف الحالية يصعب تصور إمكانية أن يكون موظفا صالحا بل ربما يكون محكوما عليه باحتمال الانحراف انطلاقا من غلاء الحياة (5)
ج ـ الرفع من جودة تكوين الموظف لزيادة قدرته على القيام بوظائفه ويجب أن يشمل تكوينه محورين يتعلق أولهما بالمجال الذي يعمل فيه لتحسين معارفه وصقل خبرته فيه أمّا المحور الثاني فيجب أن يتعلق بأخلاقيات الموظف العمومي ذلك أنّه يستشف من تعامل بعض الموظفين مع المواطنين حاجتهم إلى تكوينات في هذا المجال
د ـ الحرص على تطبيق قوانين الوظيفة العمومية بشكل صارم خاصة المواد التي تفرض الانضباط والحضور وتعاقب التغيب مثل المادة: 69 من ق وع وكذلك المادة:86 منه التي تنصّ إمكانية منح مكافأة استثنائية للموظف الاستثنائي
هـ ـ تطبيق القوانين المتعلقة بالرشوة مثل المادة: 3 من ق م ف
المطلب الثاني: الفساد بدافع الجشع
يتواصل
أهم المراجع:
1 ـ فاتن فوده مكافحة الفساد واسترداد الأموال المركز الأكاديمي للنشر الاسكندرية طبعة 2025 ص 9 وللمزيد عن الموضوع يمكن الرجوع للصفحة: 55 وما بعدها
2ـ تصدير اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد
3ـ يشار إلى أنّ الفقرة الثانية من المادة الأولى من ق إ ج نصت على أنّ الدعوى العمومية يقيمها ويمارسها قضاة المحاكم المختصة .... كما جاءت في المادة: 27 من ذات القانون مقتضيات مشابهة ونصت المادة: 29 منه على أنّ المدعي العام لدى المحكمة يسهر على تطبيق القانون الجنائي على كافة التراب الوطني
4 ـ أتذكر أنّ أحد أساتذتي في الجامعة لم يحضر خلال السنة الدراسية إلا مرتين أو ثلاثة لأنّه منشغل بممارسة مهنة المحاماة عن مهنة التدريس في الجامعة بدافع الحاجة
5 ـ لمعرفة بعض دوافع الاكتتابات غير المبررة وخطورتها يمكن الرجوع إلى برتران بادي الدولة المستوردة ترجمة لطفي فرج نشر مدارات للأبحاث والنشر 2017 ص 33

أربعاء, 29/07/2026 - 17:29