مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

نص كلمة الدكتور محمد السالك ولد براهيم في جلسة توقيع كتاب "المدح النبوي الشعبي لدى الحراطين: دراسة سوسيو-انتربولوجية لمؤلفه الدكتور محمد الأمين ولد براهيم سفير موريتانيا في اليمن

 أصحاب سعادة، الحضور الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
 أقف معكم اليوم لا لنعرض كتاباً عادياً، بل لنقرأ في سِفرٍ أنثروبولوجي بامتياز، يمثل إضافة نوعية للمكتبة الموريتانية والإفريقية: كتاب «المدح النبوي الشعبي لدى الحراطين: دراسة سوسيو-أنثروبولوجية» لمؤلفه أخي وصديقي سعادة السفير د. محمد الأمين ولد إبراهيم.

1- قصة كتاب: مكابدة البحث الميداني (من الشفاهية إلى التدوين):
ليس هذا الكتاب وليد جدران المكتبات المعتِمة، بل هو ثمرة مغامرة بحثية رافقتُ معالمها الأولى عن قرب:
 * البدايات والمخاض: شاهدتُ هذا المشروع ينبت كشغف فكري لدى أخي وصديقي المؤلف، وشُرّفتُ بمرور مسودته الأولى تحت يدي للتنقيح وإبداء الملاحظات.
 * المكابدة الميدانية والمطاردة: دخل الباحث إلى أزقة وأوساط شعبية مغلقة لا يعلم حالها إلا الله، مقتفياً أثر النص المديحي ("المدحات"، "الگيفان"، و "الكرز"). طارد الرواية الشفهية بين القرى والبلدات المحلية لتوثيقها، وتدقيق نسبتها ونطقها، بجسارة استقصائية نادرة.
 * الجهد الفونولوجي: تحويل المديح الشفاهي المنساب بالحسانية إلى مدونة علمية مضبوطة بالتشكيل والرمز الصوتي (Phonetic Precision) لتأثيل اللفظ وتثبيته قبل أن تجرفه موجات العصرنة.

الأبعاد الإقليمية: المدح النبوي وتناصّه مع "موسيقى التحرر" في شمال إفريقيا:
هنا يتجاوز الكتاب الخصوصية المحلية ليلتقي بالمشهد الثقافي العريض لشمال إفريقيا وشبه الصحراء:
 * المقاومة عبر الفن المقدس: تماماً كما شكّلت موسيقى "ڭناوة" (Gnawa) في المغرب، و**"الديوان"** في الجزائر، و**"الستامبالي"** في تونس، فضاءً تعويضياً وتطبيباً نفسياً وروحياً لمكونات مجتمعية مرت بظروف استرقاق وتهميش تاريخية؛ جاء "المدح النبوي لدى الحراطين" ليلعب الدور ذاته في موريتانيا.
 * إيقاع الجسد والروح: الاشتراك في استخدام الإيقاعات المونوتونية (المتكررة) والضرب على الآلات البدائية (كالقرع أو الطبل أو الكمبره،  الصنوج) للتسامي على الآلام الفردية والاندماج في "وجد جمعي" يتوسل بالرموز الدينية والمقدسة.
 * إعادة امتلاك الفضاء العام: كان المديح النبوي في الساحات نوعا من تملك الفضاء العام ليلاً، حيث يُسمِع أولئك المهمشون، و المغبونون من خلالها أصواتهم للمجتمع.

الإشكاليات السوسيولوجية والأكاديمية الكبرى:
لقد طرح الدكتور محمد الأمين أسئلة عميقة لا تُجامل الواقع، بل تفككه أنثروبولوجياً:
 
* السرديات الكبرى (Grand Narratives): 
هل ينتمي هذا الفن الشعبي إلى متن "السرديات الكبرى" للثقافة الموريتانية، أم تم تقزيمه تاريخياً كثقافة شفاهية غير عالمة، هامشية؟
 * تقاسم سلطة "المقدس": كيف استطاع المداحون عبر محبة المصطفى ﷺ اختراق التراتبية الاجتماعية التقليدية؟ هل شكل المديح نوعاً من "الانتزاع الناعم لسلطة المقدس" ومشاركتها مع النخب الدينية والرمزية في المجتمع التقليدي الموريتاني شديد التراتبية؟
 * السوسيولوجيا البديلة لتصحيح التاريخ: هل تؤسس هذه الدراسة لـ "سوسيولوجيا ثقافية" قادرة على إعادة التوازن التاريخي، وقراءة العلاقات المجتمعية اللامتكافئة داخل المجتمع الموريتاني القديم بعين المنصف لا بعين الهيمنة؟

هكذا يتبدى لنا المديح الشعبي من خلال هذه الومضات:
 * المديح كـ "أرشيف شفاهي للتاريخ المسكوت عنه": المديح لدى الحراطين ليس مجرد نصوص دينية، بل هو أرشيف يختزن لغة وثقافة وآلام وآمال فئة عريضة لم تُتح لها فرصة التدوين التاريخي الرسمي؛
 * الجماليات النبرية والصوتية (Phonetic Aesthetics): الصرخة أو "الكسرة" في صوت المداح الحرطاني ليست مجرد أداء غنائي، بل هي شحنة أنثروبولوجية تختزل زفرات عقود من التهميش وتتحول إلى طاقة تعبيرية هائلة.
 
 ختاماً أيها الحفل الكريم..
 إن كتاب الدكتور محمد الأمين ولد إبراهيم، لا يقدم لنا مجرد مدائح نرددها، بل يقدم لنا مشرطاً أنثروبولوجياً يعيد قراءة الوجدان الجمعي الموريتاني. 
إنه يثبت أن السعادة والحرية والكرامة الإنسانية يمكن أن تُنتزع وتُبنى من قلب النغم والمحبة النبوية الشريفة.
 عمل يزاوج بين حرارة التجربة الميدانية الصادقة، وجرأة التحليل الأكاديمي الرصين.
 شكراً لكم، وهنيئا للمؤلف بمناسبة صدور هذا الكتاب القيم..

 

خميس, 06/08/2026 - 00:36