
كتب الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف: "للإجابة عن هذا التساؤل، أقول إن البلاد شهدت منذ ذلك التاريخ انتقالًا رئاسيًا مُنظَّمًا، غير أنّه لم يلبث أن أُجهِض بفعل تحرّكٍ قسريٍّ آخر سنة 2009، أعقبه ما يعتبره كثيرون انقلابًا انتخابيًا سنة 2019.
غير أنّ التجربة تُعلِّمنا أن استدامة أي نظام سياسي لا تُقاس فقط بالمدة الزمنية التي انقضت منذ آخر استيلاء على السلطة، بل تتجاوز ذلك إلى مدى قدرة هذا النظام على ترسيخ الشرعية وبناء الثقة وضمان التداول السلمي على الحكم.
فغالبية الانقلابات لا تنشأ من فراغ، وإنما تكون في كثير من الأحيان نتيجة تراكم عوامل الهشاشة والاختلال، من قبيل إضعاف المؤسسات، والتمركز المفرط للسلطة، وتآكل الثقة بين الحاكم والمحكوم، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، والتراجع عن مقتضيات دولة القانون، أو إغلاق السبل الطبيعية للتناوب السياسي.
وقد أثبتت تجربة العقود الماضية أن الضمانة الحقيقية ضد الانقطاعات الدستورية لا تكمن في قوة الأفراد ولا في توازنات القوة الظرفية، وإنما في متانة المؤسسات ورسوخها. فحين يُحترم الدستور، وتكون الانتخابات نزيهة وذات مصداقية، ويتمتع القضاء باستقلاله، ويجد المواطنون قنوات سلمية للتعبير عن تطلعاتهم ومطالبهم، تتراجع احتمالات الاضطراب السياسي بشكل كبير.
أما عندما تشعر فئات واسعة من المجتمع بأن الآليات المؤسسية لم تعد قادرة على تصحيح اختلالات النظام أو معالجة أزماته، فإن عوامل الاحتقان تتراكم، وتتعاظم مشاعر الإحباط وفقدان الثقة، بما يفتح المجال أمام حلول خارج الإطار الدستوري، غالبًا ما تكون كلفتها باهظة على الدولة والمجتمع معًا.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان انقلاب السادس من أغسطس 2008 سيكون آخر انقلاب في تاريخ موريتانيا، بل ما إذا كانت البلاد ستنجح في بناء نظام سياسي يتمتع بما يكفي من الشرعية والشمول والقدرة على الصمود، بحيث يجعل أي محاولة للتغيير بالقوة أمرًا غير ذي جدوى.
فالمستقبل لن يتحدد بذكريات الانقلابات الماضية، وإنما بمدى قدرة المؤسسات الوطنية على مواجهة تحديات الحاضر والاستجابة لتطلعات الأجيال القادمة. ومن هذه القدرة تحديدًا سيتوقف ترسيخ الاستقرار السياسي وترجمة هذا الاستقرار إلى واقع دائم ومستدام


.gif)

.jpg)


.jpg)