مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

الحركة الوطنية الديمقراطية ومسألة العبودية في موريتانيا: إسهام تاريخي ينبغي إنصافه دون حجب حدوده بقلم: غورمو عبدول لو

لا يمكن كتابة تاريخ النضال ضد العبودية في موريتانيا كتابة جادة انطلاقا من التصنيفات السياسية الراهنة، ولا بإسقاط المفاهيم والمطالب وأشكال التنظيم التي ترسخت لاحقا على الفاعلين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وإنما يتعين وضع ذلك التاريخ في سياقه الزمني، وفي إطار المعارك التي كانت ممكنة آنذاك، والأدوات النظرية المتاحة، والتناقضات الخاصة بمجتمع كان لا يزال منظما بعمق على أساس تراتبيات تقليدية راسخة.
وبهذا الشرط وحده يمكن تقدير الإسهام التاريخي للحركة الوطنية الديمقراطية (MND)  في اليقظة السياسية والاجتماعية لجماهير الحراطين تقديرا عادلا، دون إنكار الحدود الإيديولوجية والنظرية التي حالت طويلا دون أن تفكر الحركة في مسألة العبودية بكل خصوصيتها.
وسيكون من الخطأ بالقدر نفسه أن نقدم الحركة الوطنية الديمقراطية  باعتبارها حركة صاغت منذ نشأتها مذهبا مناهضا للعبودية بالمعنى المعاصر، أو أن نزعم في المقابل أنها تجاهلت أوضاع العبيد والعبيد السابقين. فالحقيقة التاريخية أكثر تعقيدا وهي من نواح كثيرة أكثر غنى وخصوبة.
قطيعة جذرية مع النظام الاجتماعي التقليدي
نشأت الحركة الوطنية الديمقراطية في فترة كان الجزء الأكبر من المجتمع الموريتاني لا يزال منظما حول بُنى تراتبية عميقة الجذور: القبائل والطبقات الاجتماعية وأوضاع الميلاد وعلاقات التبعية الشخصية والعلاقات الإقطاعية أو شبه الإقطاعية وأشكال العبودية المستمرة.
وفي هذا العالم الاجتماعي، لم تكن الهيمنة المفروضة على الحراطين اقتصادية فحسب، بل كانت أيضا وضعية وثقافية وسياسية. وكانت تقوم على تمثلات قديمة للمجتمع تُسند لكل فرد موقعا تحدده ولادته.
وكان أول إسهام تاريخي للحركة الوطنية الديمقراطية هو تحديدا التصدي المباشر لهذا النظام من حيث شرعيته.
فخطابها الثوري أكد المساواة الأساسية بين البشر والمواطنين في مواجهة جميع التراتبيات الموروثة. واستعاض عن الانتماءات المحددة بالولادة بفئات العمال والفلاحين والطبقة العاملة والجماهير المستغلة والقوى الثورية. وكانت هذه المقاربة مستلهمة بلا شك من الماركسية ومن التيارات الثورية السائدة آنذاك. لكنها كانت في موريتانيا الستينيات والسبعينيات تمثل قطيعة فكرية وسياسية كبرى.

فأن تقول لحراطاني إنه ليس محكوما بحكم الميلاد على خدمة إنسان آخر، بل إنه ينتمي إلى القوى الاجتماعية القادرة على تغيير البلاد، كان في حد ذاته رسالة قوية للتحرر.
وأن تقول لشاب بيظاني أو زنجي إفريقي ينحدر من فئات اجتماعية ميسورة إنه مطالب بمحاربة الامتيازات التقليدية التي قد يكون وسطه الاجتماعي نفسه مستفيدا منها، كان يمثل قطيعة لا تقل أهمية.
الدور الذي كثيرا ما يُنسى للأطر غير الحراطين في الحركة
ينبغي هنا إعادة الاعتبار إلى جانب أساسي من هذه التجربة التاريخية كثيرا ما أهملته بعض القراءات الاستعادية: الدور الذي لعبه العديد من الأطر البيظان والزنوج الأفارقة في الحركة السرية في إيقاظ الجماهير الحراطين سياسيا.
ولا ينبغي تضخيم هذا الإسهام، كما لا ينبغي استخدامه لمصادرة تاريخ الحراطين أنفسهم. ولكنه في المقابل لا يجوز محوه.
ففي السنوات الأولى للحركة الوطنية الديمقراطية لم تكن نسبة مهمة من أطرها القيادية ومنظميها السريين من الحراطين. ومع ذلك، كرّس عدد كبير منهم جزءا معتبرا من نشاطه النضالي لتنظيم الفئات الأكثر فقرا في المجتمع، ومحو الأمية، والتكوين السياسي، وتعبئة الشرائح الأكثر تهميشا، وكان الحراطين يحتلون فيها مكانة مركزية. وفي المدن مر هذا العمل خصوصا عبر النقابات؛ فالعالم العمالي والموظفون وصغار الموظفين العموميين والأطر الأوسطون والعاملون في القطاعات الحديثة من الاقتصاد كانت كلها فضاءات مفضلة للتسييس. ولعب مناضلو الحركة فيها دورا مهما في نشر أفكار كانت آنذاك عميقة التمرد على الواقع القائم: المساواة الاجتماعية وكرامة العمل ورفض امتيازات الميلاد  والحق في التنظيم الجماعي ومناهضة علاقات التبعية التقليدية.
وبالنسبة لكثير من المناضلين الحراطين، كانت النقابية بهذا المعنى مدرسة حقيقية للمواطنة والتكوين السياسي، لكن أثر الـحركة كان على الأرجح أعمق في الأرياف.
آدوابه في صلب الاستراتيجية النضالية
كان جزء كبير من السكان الحراطين يعيش آنذاك في الريف وخاصة في الآدوابه، حيث كانت علاقات التبعية التقليدية لا تزال شديدة الوطأة، وحتى نهاية السبعينيات كانت هذه المناطق الريفية من بين أهم مجالات انتشار الـحركة. لم يكن هذا الحضور عرضيا، فقد كان ناتجا عن توجه استراتيجي متأثر بقوة بالماوية وبالتجربة الثورية الصينية، والقائم على الفكرة الشهيرة المتمثلة في (تطويق المدن بالأرياف). وفي إطار هذه الرؤية كان من المفترض أن تشكل الفلاحية الفقيرة إحدى القوى الحاسمة في التغيير الثوري.
وفي موريتانيا قاد هذا التوجه بطبيعة الحال مناضلي الـحركة الوطنية الديمقراطية نحو أكثر الفئات الريفية فقرا وتعرضا للهيمنة، وكانت هذه الفئات في مناطق عديدة مكونة إلى حد كبير من الحراطين.
وخلال سنوات عدة انتقل شباب مناضلون كثير منهم من أوساط اجتماعية شديدة الاختلاف إلى آدوابه فتقاسموا ظروف العيش مع السكان المحليين، وأنشؤوا الخلايا، ونظموا حملات لمحو الأمية، ونشروا ثقافة سياسية جديدة، وساهموا في زرع الوعي لدى رجال ونساء كثيرين بأن العلاقات الاجتماعية التي يعيشون في ظلها ليست طبيعية ولا أبدية.
يمثل هذا العمل الصبور والسري في كثير من الأحيان صفحة كبرى من تاريخ موريتانيا السياسي، وهو يفسر أيضا لماذا ضمت القاعدة الشعبية للحركة الوطنية الديمقراطية منذ وقت مبكر عددا معتبرا من المناضلين الحراطين.
لقد كان ذلك واضحا بصورة خاصة في منطقة آفطوط، حيث قاد أو أشرف أطر مهمون من الحركة على نضالات لفلاحين احراطين ضد علاقات الملكية العقارية الإقطاعية. وفي هذا السياق بالذات عممت الحركة شعارها: «الأرض لمن يفلحها»، وهو مطلب كان من حيث روحه يستبق بعض التوجهات التي ستظهر لاحقا في الإصلاح العقاري الذي جرى في عهد الرئيس محمد خونا ولد هيداله.
وبالنسبة ل MND كانت المسألة الحرطانية تظهر آنذاك أساسا بوصفها مسألة فلاحية واجتماعية، وكان حلها يقتضي في المقام الأول مراجعة أشكال التملك الإقطاعي للأرض التي كانت تعيد الإنتاج وتُبقي على البقايا الاقتصادية والاجتماعية للنظام العبودي السابق. وقليل من القضايا الاجتماعية كان يحتل في الممارسة النضالية للحركة مكانة تضاهي هذه القضية أهمية.
تحرر فكر فيه أولا من خلال صراع الطبقات
ومع كل ماسبق  سيكون من الخطأ التاريخي القول إن الـMND  كانت قد صاغت آنذاك نظرية خاصة بالعبودية الموريتانية بالمعنى الذي ستطوره لاحقا الحركات المناهضة للعبودية، فمذهب الحركة كان لا يزال في طور البناء، وكان الشباب الذين يشكلون الحركة يستوعبون، غالبا في ظروف صعبة المرجعيات الإيديولوجية الكبرى لليسار الثوري العالمي: ماركس، لينين، ماو، والتجارب الفيتنامية والصينية والكوبية، وحركات التحرر الوطني الإفريقية والعربية.
وكانت العدسة الأساسية للتحليل هي صراع الطبقات والإقطاع والإمبريالية والبرجوازية الوطنية والجماهير الشعبية، ومن ثم كانت العبودية تُفهم أساسا باعتبارها مظهرا خاصا لنظام أوسع من الهيمنة الإقطاعية. وفي هذا التصور كان تحرير الحراطين يفترض أن يتحقق من خلال القضاء على النظام الإقطاعي وتغيير المجتمع كله تغييرا ثوريا.

لقد كان لهذه القراءة جانب قوة لا يمكن إنكاره؛ فهي كانت ترفض تحويل العلاقات الاجتماعية إلى صراع عرقي وتُدرج تحرر الحراطين في مشروع كوني لتغيير المجتمع الموريتاني، لكنها كانت تعاني من قصور مهم؛ فقد كانت تميل إلى التقليل من خصوصية العبودية التاريخية، ومن عمق علاقات التبعية الشخصية، ومن ثقل التمثلات الاجتماعية المرتبطة بالأصل العبودي، ومن قدرة هذه الآليات على الاستمرار حتى بعد إضعاف البنى الاقتصادية التي أنشأتها.
وبعبارة أخرى لم تكن الحركة الوطنية الديمقراطية قد قللت من أهمية قضية لحراطين، بل إن كل شيء في انتشارها الاجتماعي وممارساتها النضالية يشير إلى العكس. وإنما تمثلت حدودها أساسا في أنها فكرت في هذه المسألة بصورة شبه حصرية عبر مفاهيم الإقطاع والفلاحية وصراع الطبقات، ومن ثم لم تُنظّر بما يكفي لما يمكن أن يستمر من العبودية ومخلفاتها حتى بعد تغيير العلاقات الاقتصادية وحدها: الوضع الاجتماعي والنسب والتمثلات الجماعية والتمييز وفي نهاية المطاف استقلالية المطالبة الحرطانية نفسها. ومن ثم فليس حجم المسألة هو ما فات الـحركة، بل جزئيا خصوصيتها.
إن الاعتراف بهذه الحدود اليوم لا ينقص في شيء من إسهامها، بل يسمح فقط بفهم التاريخ في حركته الفعلية.
الحركة الوطنية الديمقراطية مدرسة حقيقية لتكوين جيل من الأطر الحراطين
من أهم الوقائع ذات الدلالة في هذه الفترة أن جزءا أساسيا، مع بعض الاستثناءات، ممن سيصبحون لاحقا أطر حركة الحر، كانوا قد ناضلوا من قبل بصورة مباشرة أو غير مباشرة داخل الفضاء السياسي الذي تشكل حول الـحركة الوطنية الديمقراطية، وهذه ليست مسألة ثانوية؛ فهي تبين أن نشوء حركة حرطانية مستقلة لاحقا لم يأت من فراغ سياسي؛ فقد سبق أن تكوّن جيل كامل في العمل السري وتقنيات التنظيم والعمل النقابي وتوزيع المناشير والتكوين الإيديولوجي وتعبئة الأرياف ومناهضة النظام الاجتماعي التقليدي.
وبهذا المعنى فقد كانت الحركة الوطنية الديمقراطية بالنسبة لكثيرين مدرسة سياسية حقيقية؛ ومن ثم فلا ينبغي بالضرورة قراءة ظهور حركة الحر بوصفه نفيا بسيطا لتجربة الحركة الوطنية الديمقراطية، بل يمكن فهمه أيضا بوصفه امتدادا تاريخيا لها، وفي الوقت نفسه تجاوزا لبعض حدودها، فالمناضلون الذين سيطرحون لاحقا بقوة أكبر المسألة الخاصة بتحرر لحراطين لم يأتوا إلى العمل السياسي بلا تجربة، بل إن كثيرا منهم تعلّموا في صفوف الحركة الثورية كيف ينازعون الهيمنة، وينظمون أنفسهم سرا، ويفكرون في التحول الاجتماعي.

أزمة 1975-1976: لحظة حاسمة
يتطلب فهم هذا التطور أيضا العودة إلى الأزمة الخطيرة التي أصابت الحركة الوطنية الديمقراطية وحزب الكادحين الموريتاني(PKM)، ابتداء من 1975-1976، فقد كانت هذه الأزمة في المقام الأول سياسية واستراتيجية.
لقد أعادت نسبة مهمة من قيادة الحركة والحزب، الذي كان يتولى توجيهها الفعلي تقييم الوضع الوطني وطبيعة نظام الرئيس المختار ولد داداه بصورة عميقة.
وقد فُسرت عدة قرارات كبرى اتخذها النظام على أنها تعكس تحولا ذا طابع وطني: تأميم ميفرما وإنشاء العملة الوطنية ومراجعة بعض علاقات التبعية الخارجية، ورحيل قوات أو قواعد أجنبية، والتأكيد بصورة أوضح على السيادة الاقتصادية والسياسية للبلاد.
وانطلاقا من هذا التقييم الجديد ظهر داخل القيادة الثورية توجه مفاده أن التناقضات مع النظام لم يعد ينبغي النظر إليها بالطريقة نفسها التي كان يُنظر بها إليها من قبل، ما دام النظام أصبح يُنسب إليه اتباع سياسة وطنية في عدد من القضايا الجوهرية. وقاد هذا التوجه تدريجيا إلى قرار حل التنظيمات الثورية المستقلة والانضمام إلى حزب الشعب الموريتاني ، الحزب الوحيد الذي كان يقوده الرئيس المختار ولد داداه.
لقد أثار هذا التحول خلافات عميقة، فبالنسبة لكثير من المناضلين كان يمس الأسس نفسها للالتزام السري السابق، فأدى إلى انقسامات وانسحابات وإعادة تموقع إيديولوجي وتشتت جزء من الأطر التي تكونت خلال السنوات السابقة.
وفي هذا السياق أيضا ينبغي ذكر انسحاب عدد كبير من المناضلين الحراطين الذين سيساهمون بعد سنوات قليلة في تأسيس حركة الحر. وهو مايجعل اختزال مغادرتهم للحركة الوطنية الديمقراطية  في مجرد تعارض بين «الحراطين» و«غير الحراطين»  اختزالا شديدا للتاريخ، فلقد جاء هذا الانسحاب في إطار أزمة عامة مست الحركة الثورية الموريتانية، وطالت مناضليها البيظان والزنوج الأفارقة والحراطين على حد سواء.
غير أن هذه الأزمة خلقت أيضا الشروط السياسية التي سمحت لبعض الأطر الحراطين بتعميق سؤال كان قد بدأ يطرح نفسه بالفعل وهو: هل يمكن أن تستمر مسألة تحررهم في الذوبان كليا داخل الفئات العامة لصراع الطبقات والثورة الديمقراطية؟ وفي هذا الفضاء السياسي الجديد بدأت تتشكل تدريجيا ضرورة وجود تنظيم مستقل.
حركة الحر: قطيعة ولكن إرث أيضا
يشكل تأسيس حركة الحر سنة 1978 بلا شك منعطفا كبيرا في تاريخ النضال ضد العبودية في موريتانيا؛ فللمرة الأولى بهذا الاتساع تولى مناضلون حراطين منظمون بأنفسهم صياغة وضعهم السياسي، ومنحوا المسألة العبودية استقلالية لم تكن الحركة الثورية السابقة قد اعترفت لها بها بالكامل، وكانت هذه قطيعة مهمة، لكن كل قطيعة تاريخية تحمل أيضا قدرا من الإرث،.فقد استفادت حركة الحر من وجود سابق لجيل من المناضلين المسيسين، المتكونين في التنظيم السري والمتمرسين في النقد الجذري للتراتبيات الاجتماعية، ومن ثم يبدو أدق أن نتحدث في الوقت نفسه عن الاستمرارية والتجاوز:استمرارية لأن جزءا أساسيا من أطرها كان قد تكوّن في النضالات الثورية السابقة، وتجاوز لأن حركة الحر ستمنح الوضع الحرطاني مركزية وصياغة خاصة لم تكن الحركة الوطنية قد طورتها بالدرجة نفسها. ولا تنتقص هذه الصلة التاريخية في شيء من الاستحقاق الخاص لحركة الحر، بل إنها تسمح فقط بإعادة وضع مختلف مراحل مسار التحرر في سياقها.
رفض قراءتين متناقضتين تعيدان كتابة التاريخ
يتعرض تاريخ الحركة الوطنية الديمقراطية  والمسألة الحراطانية اليوم إلى نوعين متقابلين من التبسيط:
الأول: يتمثل في تحويل الحركة الوطنية الديمقراطية  بأثر رجعي إلى حركة مناهضة للعبودية بالمعنى الحديث للمفهوم، وكأنها كانت قد فكرت منذ الستينيات في جميع الأبعاد السياسية والاجتماعية والهوياتية التي ستكتسبها مسألة العبودية لاحقا، وسيكون ذلك إسقاطا تاريخيا لا أساس له.
 الثاني: والمضاد، ويتمثل في محو دور الحركة الوطنية الديمقراطية  وجعل اليقظة السياسية للحراطين تبدأ فقط مع ظهور التنظيمات الحرطانية الخاصة. وسيكون ذلك تحريفا آخر للتاريخ؛ فالتحرر السياسي لا يولد أبدا من حدث واحد ولا من تنظيم واحد، إنه نتاج تراكمات وقطائع ونقل للتجارب وأحيانا تجاوز لها.
ومن هذه الزاوية، أنجزت الحركة الوطنية الديمقراطية  عملا تاريخيا بالغ الأهمية؛ فقد ساهمت في تحطيم الشرعية الإيديولوجية للنظام الهرمي القديم، وحملت خطاب المساواة إلى أوساط كان حضوره فيها شبه منعدم، ونظمت العمال والفلاحين الحراطين، وأرسلت أطرها إلى آدوابه وكوّنت مناضلين، وخلقت فضاءات كان بإمكان رجال من مختلف مكونات المجتمع أن يناضلوا فيها معا ضد نظام قائم على عدم المساواة بالميلاد. إن هذا العمل ينتمي بالكامل إلى تاريخ التحرر الحراطاني.
تاريخ مشترك ينبغي إعادة الاعتبار إليه
سيكون من المؤسف أخيرا أن تؤدي صراعات الذاكرة المعاصرة إلى إعادة بناء الحدود المجتمعية بصورة مصطنعة داخل حركة كانت قد سعت تحديدا إلى تجاوزها.
وإن من أبرز خصائص الحركة الوطنية الديمقراطية  أن مناضلين بيظانا وزنوجا أفارقة واحراطين استطاعوا أن يجتمعوا داخل تنظيم سري واحد، وأن يناضلوا معا ضد نظام اجتماعي لم يكونوا ضحاياه بالدرجة نفسها، وكان في ذلك تصور صارم ومتطلب للتضامن السياسي: أن تحارب الظلم لا لأنه يصيب فقط الجماعة التي تنتمي إليها، بل لأنه ظلم. ولا يجوز نسيان هذه الحقيقة، فكون أطر غير احراطين لعبوا دورا أساسيا في إيقاظ وتنظيم السكان لحراطين لا ينتقص طبعا من قدرة هؤلاء على تحرير أنفسهم، بل يثبت،على العكس أنه في لحظة أساسية من التاريخ الموريتاني بدأ النضال ضد التراتبيات الاجتماعية يتحول إلى قضية مشتركة.
وبالمثل، فإن كون المناضلين الحراطين شعروا لاحقا بالحاجة إلى امتلاك تنظيم خاص بهم لا ينتقص من تجربتهم السابقة، وإنما يدل على أن مرحلة تاريخية جديدة كانت قد بدأت.
وعلى هذا النحو لا ينبغي أن يُقدَّم تاريخ الحركة الوطنية الديمقراطية  وتاريخ حركة الحر باعتبارهما سرديتين متنافستين، فهما ينتميان إلى لحظتين مختلفتين من مسار طويل للتحرر.
لقد ساهمت الحركة الوطنية الديمقراطية  بقوة في إبراز الإنسان والمواطن خلف أوضاع الميلاد، ثم ساهمت حركة الحر في إسماع صوت أحفاد العبيد بقوة جديدة، وفي فرض مسألة العبودية بوصفها قضية سياسية مستقل، ولا يمكن فهم إحدى هاتين المساهمتين دون الأخرى.
ومن ثم فإن الوفاء الحقيقي لهذا التاريخ يقتضي رفض تمجيد الذات بنفس القدر الذي يقتضي رفض المحو.
لقد كان للحركة الوطنية الديمقراطية  حدودها، وكانت تلك الحدود جزئيا حدود عصرها ومراجعها الإيديولوجية ومذهب كان لا يزال في طور التشكل، لكنها كانت أيضا من أوائل الفضاءات السياسية الموريتانية التي تحولت فيها المناهضة الجذرية لتراتب الناس بحسب الميلاد إلى ممارسة نضالية ملموسة، وتفرغ فيها أطر من مختلف الأصول لتنظيم الفئات الأكثر تعرضا للهيمنة، واكتشف فيها آلاف الحراطين عبر النضال الاجتماعي والسياسي قدرتهم على أن يصبحوا فاعلين في صناعة تاريخهم بأنفسهم. ذلك هو الإسهام، بما يحمله من جوانب قوة وتناقضات وحدود، الذي ينبغي اليوم لأي كتابة منصفة لتاريخ التحرر في موريتانيا أن تعترف به.

خميس, 13/08/2026 - 02:18