مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

هل نحن نبني رجال دولة أم دولة رجال؟- الدكتور عبد الله حمدي*

مقاربة أولية

هناك أسئلة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تخفي وراءها قضايا كبرى تتعلق بمصير الأمم ومستقبل الدول. ومن أكثر هذه الأسئلة إلحاحاً: هل نحن نبني رجال دولة، أم نبني دولة رجال؟

السؤال يطرح نفسه على كل مجتمع يحاول النهوض من مضاعفات التخلف، ويسعى إلى الانتقال من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات، ومن منطق الولاء إلى منطق المواطنة، ومن ثقافة الامتياز إلى ثقافة الاستحقاق.

فالأمم لا تنهض بمجرد تغيير الأشخاص في مواقع المسؤولية، أو زيادة مأمورية جديدة للحاكم، ولا تتقدم بكثرة المناصب والوظائف والمشاريع، وإنما تنهض عندما تنجح في صناعة الإنسان الذي يؤمن بالدولة قبل الأشخاص، وبالمؤسسة قبل النفوذ، وبالمصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة.

رجال الدولة… أم دولة رجال؟

هناك فرق عميق بين رجل الدولة و دولة الرجل.
رجل الدولة ينظر إلى منصبه باعتباره أمانة ومسؤولية، ويعلم أن المنصب عابر وأن الدولة باقية. لذلك يسعى إلى بناء المؤسسات، وترسيخ القوانين، وتطوير الإدارة، وتأهيل الكفاءات، وترك نظام أقوى وأكثر فاعلية لمن يأتي بعده.

أما دولة الرجل فينظر إلى المنصب باعتباره فرصة لتعزيز النفوذ، وتوسيع شبكة الولاءات، وصناعة التابعين، وربط مصالح الناس بشخصه وموقعه.

رجل الدولة لا يسأل: من معي؟
بل يسأل: ما الذي ينفع الدولة؟

ولا يقول: ماذا سأستفيد أنا؟
بل يقول: ماذا سأترك بعدي للجيل الصاعد؟

وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين بناء الدولة وبناء النفوذ، رجل الدولة الحقيقي لا يخشى قوة المؤسسات؛ لأنه يدرك أن المؤسسة القوية تحمي الجميع، بمن فيهم المسؤول نفسه.

أما حين تصبح المؤسسات ضعيفة، ويصبح الأشخاص أقوى منها، فإن الدولة تبدأ في التحول تدريجياً إلى شبكة من العلاقات الشخصية: هذا مقرّب، وذاك محسوب على فلان، وآخر يستمد قوته من جهة أو جماعة أو شبكة مصالح.

وهنا لا يعود السؤال: من هو الأكفأ؟

بل يصبح السؤال: من يعرف من؟ ومن يستطيع أن يتوسط لمن؟ ومن يملك مفاتيح الوصول؟

وحين يصبح هذا المنطق سائداً، فإن أخطر ما يحدث ليس فقط ضياع بعض المناصب أو الامتيازات، وإنما قتل الثقة في الدولة نفسها.

فالشاب الذي يرى أن الكفاءة لا تكفي، وأن الاجتهاد لا يضمن له فرصة، وأن العلاقات أقوى من الشهادات والخبرة، قد يفقد تدريجياً إيمانه بقيمة العمل والتميز.وهذه خسارة أكبر من خسارة وظيفة أو منصب. وصدق روبرت موغابي (Robert Mugabe) حين قال:
 " كيف يمكننا إقناع الجيل الجديد بأن التعليم مفتاح النجاح إذا كنا محاطين بخريجي جامعات فقراء ولصوص أغنياء؟.

دولة المؤسسات لا تعني دولة بلا رجال
قد يظن البعض أن الحديث عن دولة المؤسسات يعني إلغاء دور الأشخاص، وهذا غير صحيح.فالدول تحتاج إلى الرجال الأكفاء، بل إن أعظم الدول هي التي استطاعت أن تصنع رجالاً قادرين على حمل مسؤولياتها في مختلف المراحل. 
لكن الفرق أن رجل الدولة يعمل داخل المؤسسة ويقويها، بينما يعمل رجل النفوذ على تقوية نفسه داخل المؤسسة.

الأول إذا غادر بقيت المؤسسة.

والثاني إذا غادر، غادر معه جزء كبير من قوتها.

الأول يصنع خلفاءه من الكفاءات.

والثاني يخشى الكفاءات لأنها قد تنافسه.

الأول يريد أن تنجح الدولة ولو لم يُذكر اسمه.

والثاني يريد أن يُذكر اسمه ولو لم تنجح الدولة.

أخطر ما يمكن أن نفعله هو تحويل الدولة إلى شبكة ولاءات، فالدولة الحديثة لا تُبنى بالولاءات الشخصية، وإنما بالمواطنة ولا تُدار بالعصبيات، وإنما بالقانون ولا تُوزع فرصها على أساس القرب، وإنما على أساس الكفاءة والاستحقاق.

وعندما تتقدم اعتبارات اللون أو العرق أو الجهة أو القرابة أو الصداقة على معيار الكفاءة، فإننا لا نبني دولة حديثة، مهما كثرت الشعارات التي نرفعها حول الإصلاح والتحديث.

الدولة التي نريد:

السؤال الحقيقي إذن ليس: من سيحكم؟ ومن سيأتي بعده؟ ومن سيحصل على هذا المنصب أو ذاك؟

السؤال الأهم هو:

أي دولة نريد أن نبني؟

هل نريد دولة تتغير بتغير الأشخاص؟

أم دولة تستمر مهما تغير الأشخاص؟

هل نريد دولة يكون فيها مستقبل المواطن مرتبطاً بعلاقاته؟

أم دولة يكون فيها مستقبله مرتبطاً بكفاءته واجتهاده؟

هل نريد مؤسسات تنتظر توجيهات الأشخاص؟

أم أشخاصاً يعملون وفق قوة المؤسسات والقانون؟

هذه ليست أسئلة نظرية، وإنما هي أسئلة تتعلق بمستقبل أجيال كاملة.

رجل الدولة الحقيقي يمكن أن يخطئ، لأنه بشر، لكنه يمتلك فضيلة المراجعة والاعتراف والتصحيح.

يمكن أن يغادر منصبه، لكن أثره لا يغادر المؤسسة.

يمكن أن يفقد السلطة، لكنه لا يفقد احترام الناس.

لأنه لم يبنِ مجده على المنصب، وإنما بنى المنصب بخدمته.

رجل الدولة أينما ذهب نفع، وإن أخطأ عاد ورجع، لأنه مرتبط بمبدأ لا بمصلحة، وبوطن لا بشخص، وبمؤسسة لا بشبكة ولاء.

أما دولة الرجال، فمصيرها الانهيار ولو بعد حين لأنها تتغير بتغير الرجال؛ لأن بنيانها لم يقم على قواعد ثابتة، وإنما على الأشخاص وعلاقاتهم ونفوذهم.

وصفوة القول إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يحكمه رجل سيئ، فالرجل السيئ يمكن أن يرحل.

لكن الخطر الحقيقي أن تبنى الدولة بطريقة تجعل مصيرها مرتبطاً بالأشخاص.

فالأشخاص يرحلون، أما المؤسسات فتبقى.

والنفوذ ينتهي، أما القانون فيجب أن يستمر.

والولاء الشخصي يتغير، أما المواطنة فيجب أن تكون ثابتة.

لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست معركة أشخاص، وإنما معركة مفاهيم وثقافة ومؤسسات.

فإذا نجحنا في بناء رجال دولة، أصبح لدينا من يحمي المؤسسات ويطورها ويقويها.

أما إذا اكتفينا ببناء دولة رجال، فسنظل ندور في الحلقة نفسها: يتغير الرجال، وتتغير الولاءات، وتتغير الوجوه، تضعف الرقابة والمتابعة على المشاريع، بينما تبقى الدولة تدفع ثمن غياب المؤسسات.

وباختصار فالدولة القوية ليست التي يكون فيها الرجل قوياً، وإنما التي تكون فيها المؤسسة أقوى من الرجل، والقانون أقوى من المؤسسة، والمواطنة أقوى من الانتماءات الضيقة!.

* رئيس مركز الضياء الكندي للدراسات العربية
كالغري- كندا

أحد, 16/08/2026 - 12:39