
حينما كتب الشاعر السوري الراحل نزار قباني قصيدته الشهيرة "قطتي الغضبى"، سكب فيها صرخة كبرياء أنثوية متمردة ترفض الالتفات إلى الوراء. تجيب القصيدة على كلمة الحب بصلابة ،
تحبُني!! ليتك ما قلتها .. هذا حديث غابر غابر
منذ متى أصبحتَ تهتم بي .. منذ متى هذا الهوى الغامر؟
هَل كنتُ إلا مقعداً مهملاً .. يضمُهُ أثاثـُكَ الفاخِرُ؟ مزرعةً نـَهَبت خـَيراتـَها .. لا ذمة ً تـنهي و لا زاجر
ترنو إلى مفاتِني مِثلما .. يرنو إلي أمواله التاجر
يا أيها الباكي علي ملكه .. لقد تداعي ملكك الزاهر
حسابي القديم صفيته .. بلحظة فمن بنا الخاسر ؟!
كان النص في حد ذاته ثورة شعرية تختزل أنفة النفس، لكنه حين عَبَرَ الصحراء الكبرى واستقر في بلاد شنقيط، أرض المليون شاعر،
لبس ثوباً آخر من الخلود عندما التقطته قيثارة الفن الموريتاني، الراحلة ديمي بنت آب (رحمها الله).
بالتأكيد لم يكن تفاعل الموريتانيين مع أداء ديمي لهذه القصيدة مجرد إعجاب عابر بأغنية عاطفية، بل كان التحاماً وجدانياً صاعقاً. فالموريتانيون، الذين يملكون أذناً موسيقية شديدة الحساسية وتذوقاً فطرياً للشعر الفصيح، وجدوا في صوت ديمي السجي صدى لقصصهم الإنسانية المخبوءة.
بدت الفنانة ديمي في هذا المقطع الغنائي و كأنها لا تؤدي لحناً فحسب، بل تعيش حالة الخذلان والتمرد بنفسها، صابة في الحروف بحّة شجن موريتانية خالصة تجعل المستمع يشعر بنبرة الصدق الجريح خلف كل شطر بيت من القصيدة ،
و كأني بها تُمثِل مشهدا ادراميا خالصا يُجسد ما بين السطور بذكاء فني شديد،
ألبست ديمي كلمات نزار الموسيقى الموريتانية التقليدية (أزوان). منحت هذه المقامات الأصيلة للقصيدة هوية جديدة، فبدت الكلمات وكأنها ولدت بين رمال وصحاري وجبال وشواطئ موريتانيا وليست قادمة من أزقة دمشق أو بيروت.
عند سماع هذا المقطع، يتفاعل الجمهور الموريتاني بحالة من الذهول الصامت تليه موجات من الطرب العارم (الهول)، لتتحول الأغنية في المجالس والبيوت و في كل الأحوال إلى أيقونة تعبر عن عزة النفس والأنفة، حيث أدرك الجميع أن ديمي لم تترنم بكلمات نزار، بل أعادت كتابتها بنبرات صوتها ،
لقد رحلت ديمي بنت آب وجف قلم نزار قباني، ولكن تسجيلاتها الصوتية وهي تترنم بـ حسابي القديم صفيته... بلحظة فمن بنا الخاسر؟ ستظل شاهدة على لحظة تاريخية استثنائية، امتزجت فيها بلاغة الشام بأشجان الصحراء الشنقيطية، ليبقى الفن عابراً للحدود والزمن .
رحم الله الفنانة العظيمة ديمي بنت آب بقدر ما أطربتنا قبل وبعد رحيلها




.gif)

.jpg)


.jpg)