
قال محمد محمود أبو المعالي، صحفي متخصص في الحركات الجهادية، إن المواجهات الأخيرة بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية لتنظيم القاعدة وولاية الساحل التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية تأتي في سياق اقتتال دامٍ تشهده مناطق وسط وشمال وشرق مالي منذ سنوات.
وأضاف في مقابلة له مع قناة TTV ضمن نشرتها التحليلية، اليوم الثلاثاء، أن جذور الصدام تعود إلى انشقاق قيادات تنظيم الدولة الإسلامية في مالي، وبينهم أبو الوليد الصحراوي وعبد الكريم الصحراوي، عن تنظيم المرابطون ورفضهم مبايعة تنظيم القاعدة، قبل أن يعلنوا مبايعتهم لزعيم تنظيم الدولة الإسلامية آنذاك أبو بكر البغدادي.
وأوضح أن مناطق الاحتكاك بين الطرفين تتركز أساسا في مناطق مالكاو وغاو ومثلث ليبتاكو-غورما على الحدود بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث تتكرر الاشتباكات ويتبادل الطرفان الاتهامات. وتصف ولاية الساحل التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بأنها “ميليشيات مرتدة”، بينما تصف نصرة الإسلام والمسلمين أتباع تنظيم الدولة بأنهم “غلاة” و”خوارج”.
وأشار إلى أن هذا الصدام يمثل امتدادا لمواجهات مماثلة شهدتها ساحات أخرى، بينها المشرق العربي وليبيا وسوريا والعراق، بين التنظيمين اللذين يتنافسان على قيادة الحركة الجهادية العالمية وتصدرها.
وأردف أن إقليم سينو يمثل جزءا من خريطة التوسع التي يسعى الطرفان إلى إحكام السيطرة عليها، موضحا أن كلا منهما يعمل على إنشاء نطاق جغرافي متصل يمتد من مناطق وجوده في مالي، شمالا وشمال غرب ووسط البلاد، باتجاه النيجر ثم بوركينا فاسو وصولا إلى نيجيريا.
وقال إن أهمية هذه المناطق تكمن في الحفاظ على التواصل بين مختلف مناطق النشاط، وتأمين طرق التنقل ونقل المقاتلين من إقليم إلى آخر وفقا للحاجة، فضلا عن السيطرة على الموارد المحلية ومصادر التمويل.
وأكد أن الصراع لا يقتصر على السيطرة الجغرافية، بل يشمل أيضا محاولة كل طرف إضعاف الطرف الآخر أو القضاء عليه، بهدف استقطاب مقاتليه ودفعهم إلى الانضمام إلى صفوفه، مضيفا أن الطرفين يتحركان في النهاية ضمن قاعدة فكرية مشتركة هي السلفية الجهادية.
وأوضح أن الاقتتال بين الفرقاء داخل التيار السلفي الجهادي في المنطقة ليس ظاهرة جديدة، مشيرا إلى أن مواجهات مماثلة وقعت منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي بين الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر وقياداتها آنذاك، مثل جمال زيتوني وعنتر الزوابري، وبين تيارات أخرى داخل الساحة الجهادية الجزائرية.
وتابع أن الاقتتال امتد لاحقا إلى المنشقين عن الجماعة الإسلامية المسلحة، ومنهم الجماعة السلفية للدعوة والقتال، كما شهدت الساحة محاولات لصدامات بين فروع الجماعات السلفية في شمال مالي، قبل أن تتطور الانقسامات لاحقا مع ظهور جماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، ثم انشقاق أبو الوليد الصحراوي ومن معه عن المرابطون ومبايعتهم تنظيم الدولة الإسلامية.
وأشار إلى أن الاقتتال الداخلي تكرر أيضا في نيجيريا، حيث شهدت جماعة بوكو حرام انقسامات وصدامات بين أجنحتها، ومنها المواجهات التي اندلعت عام 2017 بين جناح شيكاو وجناح أبي بكر البرناوي، وأسفرت عن مقتل عدد من القيادات.
وأضاف أن الانقسامات داخل تنظيم الدولة الإسلامية نفسه وصلت في المشرق العربي إلى صدامات بين تيارات فكرية مختلفة، بينها الحازمية والبنعلية، كما وقعت مواجهات بين تنظيم الدولة وتنظيم القاعدة، ووصل الخلاف في بعض الحالات إلى الدعوة إلى المباهلة والمنازلة والاقتتال الداخلي.
وحول ما إذا كان الصراع بين التنظيمين يعود إلى خلافات عقائدية ومنهجية أم تحكمه المنافسة على الأرض والسكان والتمويل، قال أبو المعالي إن العاملين حاضران، موضحا أن التنظيمين يتحركان على أرضية فكرية مشتركة تتمثل في السلفية الجهادية، لكنهما يختلفان في الرؤية وترتيب الأولويات وحدود التكفير والتبديع والتفسيق.
وقال إن تنظيم القاعدة يعتبر تنظيم الدولة الإسلامية من “الخوارج”، ويرى أنه بالغ في سفك الدماء والتكفير، واستعجل في إعلان ما سماه الخلافة، وأفسد الساحة الجهادية العالمية. وفي المقابل، ينظر تنظيم الدولة إلى تنظيم القاعدة باعتباره من “المرجئة”، ويعتبره منحرفا عن المشروع الجهادي، ويستند في تكفيره لقيادات القاعدة إلى قاعدة “من لم يكفر الكافر فهو كافر”.
وأوضح أن القاعدة تتحفظ، بصورة عامة، عن تكفير الشعوب والحركات الإسلامية، بينما يتوسع تنظيم الدولة في تكفير هذه الحركات وأجزاء من المجتمعات الإسلامية، كما يكفر قيادات القاعدة بسبب عدم تكفيرها لمن يعتبرهم التنظيم كفارا.
وأضاف أن هذا المنطق يؤدي إلى سلسلة متواصلة من عمليات التكفير، مشيرا إلى أن الخلافات داخل تنظيم الدولة نفسها وصلت إلى حد انقسام تيارات تكفيرية ضد بعضها البعض، بحيث يكفر بعضها الآخر بسبب عدم تكفير شخصيات أو تيارات بعينها.
وأكد أن هذا الخلاف العقائدي يتحول، عندما يترافق مع التنافس على الأرض والموارد والمقاتلين والساحة الجهادية، إلى صراع مسلح، وهو ما يحدث حاليا في مناطق شمال مالي.
وأشار إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ترى أن ولاية الساحل التابعة لتنظيم الدولة أفسدت الساحة المحلية بسبب ما تصفه بالإفراط في القتل والقتال، مضيفا أن الصراع في شمال مالي لا يأخذ دائما طابعا عقائديا صرفا، بل قد يتحول إلى صراع قبلي أو عرقي.
وأوضح أن المواجهات قد تندلع أحيانا بين قبيلتين من الطوارق، أو بين مجموعتين من الفلان، وقد تأخذ في حالات أخرى طابعا عرقيا بين مجموعات طوارقية وفلانية، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا بسبب تعدد دوافع الصراع ومراجعه.
وحول دور التحالفات المحلية والروابط القبلية والاقتصادية في تحديد مسار المواجهات ونتائجها، أكد أبو المعالي أن هذه العوامل حاسمة، خصوصا في المجتمعات الإفريقية ومجتمعات الصحراء والساحل.
وأشار إلى أن جماعة أنصار الدين التي أسسها إياد أغ غالي، قائد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، نشأت كحركة إسلامية ذات قاعدة قبلية وعرقية، وكان معظم مقاتليها من الطوارق، مضيفا أن ولاية الساحل تضم في غالبيتها مقاتلين من الفلان، إلى جانب حضور لمقاتلين من قبائل الطوارق، ولا سيما الدوسحق.
وأضاف أن بوكو حرام تضم في غالبيتها مقاتلين من قبائل البورنو والكانوري، إلى جانب مجموعات أخرى، مؤكدا أن البعد القبلي حاضر بقوة في هذه التنظيمات، وله تأثير مباشر في تشكيل التحالفات، مستفيدا من العلاقات الاجتماعية والثقة المتبادلة بين أبناء المجتمع الواحد.
وحول انعكاسات الاقتتال الداخلي على السكان المحليين، قال أبو المعالي إن هذه المواجهات تمثل “بلاء” على المجتمعات المحلية، مؤكدا أن السكان يدفعون ثمنا باهظا نتيجة الصراع بين التنظيمات، ولا سيما عندما يأخذ القتال بعدا عرقيا أو قبليا.
وأوضح أن الصراع قد يتحول في بعض المناطق إلى عمليات انتقام واستهداف متبادل بين المجموعات، مشيرا إلى أن المجتمعات المحلية تجد نفسها عالقة بين أطراف مسلحة تتنافس على الأرض والنفوذ والموارد، ما يزيد من حجم المخاطر التي تواجه المدنيين.


.gif)

.jpg)


.jpg)