مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

جنرال متقاعد يكتب: الولاية الثالثة: وماذا لو كان الرهان الحقيقي هو الإعداد لخروجٍ آمن من السلطة؟

كتب الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف: "منذ عدة أشهر، تهيمن على الحياة السياسية الوطنية مسألةٌ يتوقف عليها استقرار البلاد، ولم يتلقَّ الموريتانيون بشأنها إلى اليوم توضيحاتٍ كافية، وهي: هل يسعى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الحصول على ولاية ثالثة، أم إلى تأمين خروجٍ آمن من السلطة؟

لقد حظيت في الآونة الأخيرة مواقفُ بعض أنصاره الداعية إلى مراجعة الدستور من أجل تمكينه من ولاية ثالثة بتداولٍ واسع في الفضاء العام. كما طُرح الموضوع في إطار الحوار الوطني، الأمر الذي أثار ردود فعلٍ فورية وحازمة من طرف المعارضة.

غير أن هذا التركيز على مسألة الولاية الثالثة قد يحجب جانبًا آخر يتمثل في الإعداد التدريجي لاستراتيجية «الخروج الآمن» من السلطة. وقد يعني ذلك تهيئة شروط مغادرةٍ تضمن أمن الرئيس، وحماية محيطه المباشر، والحفاظ على التوازنات التي تشكّلت خلال ولايتيه.

ولا تفترض هذه الفرضية وجود نيةٍ مؤكدة أو مشروعٍ مُعلن رسميًا، وإنما تقترح فقط قراءةً بديلةً للديناميات الجارية حاليًا. وتكتسب هذه القراءة وجاهةً أكبر بالنظر إلى أن الرئيس صرّح علنًا بأنه لا يؤيد أي مسعى يتعارض مع الدستور أو مع الإرادة الشعبية. ومن دون استباق نواياه الحقيقية، فإن هذه التصريحات تجعل وجود مشروعٍ واضح ومُعلن للولاية الثالثة أقلَّ بداهة، وتعزز أهمية تحليلٍ يركّز على إدارة مرحلة ما بعد السلطة.

وفي بلدٍ طبعت مساراته السياسية انتقالاتٌ غالبًا ما كانت حساسة، قد تكون مسألة الخروج من السلطة على القدر نفسه من الأهمية الاستراتيجية الذي تتسم به مسألة ممارستها. وانطلاقًا من هذه الفرضية، نرى أنه من الضروري إعادة النظر في التطورات الجارية على الساحة السياسية الوطنية.

وفي هذا المنظور، قد يجد رئيس الدولة نفسه مدفوعًا إلى تنظيم شروط مغادرته للسلطة بما يجنّب البلاد إعادة تشكيلٍ مفاجئة للمشهد السياسي أو مرحلةً من عدم اليقين المؤسسي. ومن ثمّ، تتيح فرضية الخروج الآمن قراءةً مختلفة للديناميات الراهنة.

ففي بعض السياقات السياسية يمكن أن تتعايش عدة سيناريوهات في الوقت نفسه من دون أن يتم اعتماد أيٍّ منها بصورة رسمية، وهو ما قد يفضي إلى حالةٍ من الضبابية الاستراتيجية تدفع الفاعلين السياسيين إلى تفسير الإشارات القائمة واستباق التطورات وتعديل مواقفهم استنادًا إلى مؤشرات قد تبدو أحيانًا متناقضة.

وفي السياق الراهن، يمكن النظر إلى الجدل الدائر حول الولاية الثالثة باعتباره مجالًا للتشويش السياسي. وقد لا يكون ذلك بالضرورة نتيجة استراتيجية مركزية أو خيارٍ مُعلن بوضوح، بل قد يكون أثرًا ناجمًا عن تزامن خطاباتٍ ومبادراتٍ ومصالح متباينة أحيانًا داخل محيط السلطة.

إن حالة عدم اليقين التي تُغذّيها قضية الولاية الثالثة لا تكشف بالضرورة عن نيةٍ محسومة، لكنها قد تسهم في إبقاء عدة خيارات سياسية مفتوحة، وفي الوقت نفسه تسمح بقياس ردود أفعال مختلف الفاعلين في الحياة العامة.

وإذا كانت فرضية الخروج الآمن وجيهة، فإن مركز ثقل النقاش السياسي ينتقل إلى موضعٍ آخر، ويصبح الرهان الأساسي ليس تمديد ولايةٍ رئاسية، بل تنظيم مرحلة ما بعد سنة 2029.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى الحوار الوطني لا بوصفه أداةً للإصلاح المؤسسي فحسب، بل أيضًا باعتباره فضاءً تُرسم فيه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ملامح شروط الانتقال المقبل. وعندئذٍ يغدو ساحةً لإعداد التوازنات السياسية التي ستشكّل مرحلة ما بعد عام 2029.

وفي هذا السياق، لا يمكن للمعارضة أن تكتفي بقراءةٍ ردّ فعلية تقتصر حصريًا على مسألة الولاية الثالثة، بل يتعين عليها أن تمتلك استراتيجيةً متماسكة ومحكمة تتناول الشروط العامة للتداول المرتقب على السلطة، بحيث لا تتحول ضمانات أمن السلطة المغادرة إلى آليةٍ لإحكام إغلاق النظام السياسي، كما لا ينبغي في المقابل أن يصبح الانتقال مرادفًا لقطيعةٍ فوضوية.

واليوم، يتمثل الانشغال الرئيسي لأي مراقبٍ لهذا الملف في معرفة ما إذا كان مختلف الفاعلين السياسيين مستعدين لتنظيم انتقالٍ دستوري وسلمي ومنظم، يضمن في الوقت نفسه استقرار الدولة واستقلال المؤسسات وحرية الاختيار الديمقراطي.

ذلك أن مستقبل البلاد السياسي سيتحدد حول هذه المسألة بالذات، إذ إن الرهان الحقيقي، أبعد من قضية الولاية الثالثة، يظل متمثلًا في قدرة موريتانيا على إنجاح عملية تداولٍ للسلطة تحمي الدولة والمؤسسات والشرعية الديمقراطية في آنٍ واحد.

خميس, 20/08/2026 - 11:27