
حوار في الواجهة… وجهوية في الميدان وتمهيد لخرق الدستور
هناك اليوم مفارقة عميقة، بل حالة من الانفصام، في طريقة إدارة النظام للشأن العام.
فمن جهة، ينظم النظام جلسات للحوار مع الفاعلين السياسيين، ويعلن أنه يريد تعزيز المكتسبات، وتعميق الإصلاحات، وبناء توافق وطني حول قواعد لعبتنا الديمقراطية.
ومن جهة أخرى، تجوب وفود حزب «الإنصاف» مختلف مناطق البلاد لحشد السكان، في وقت يبدو فيه أن الهدف الحقيقي من هذه التعبئة هو التمهيد لمأمورية ثالثة، في انتهاك صارخ للدستور.
لا يمكن الادعاء بالسعي إلى التوافق حول قواعد اللعبة الديمقراطية، بينما يجري في الوقت نفسه الإعداد لانتهاك هذه القواعد.
لكن هناك ظاهرة أخرى أكثر إثارة للقلق.
فقد بدأنا نرى مسؤولين في الدولة أنفسهم يلجؤون إلى خطاب جهوي للدفاع عن حصيلة النظام. فقد عقد أحد الأمناء العامين لإحدى الوزارات، اجتماعا مع سكان المنطقة وأطرها، وبدلا من عرض إنجازات مقنعة، ركز على تعيين عدد من أبناء المنطقة في مناصب مهمة، وكأن الأمر يتعلق بامتياز مُنح لمنطقة بعينها، وليس بقرارات من صميم عمل الدولة.
وهذا أمر بالغ الخطورة.
في الجمهورية، التعيينات ليست مكافآت تُوزع على الجهات أو القبائل أو المكونات الاجتماعية. وإنما يجب أن تستند إلى الكفاءة والاستحقاق والمصلحة العامة.
والأخطر من ذلك أن الخطاب الذي أدلى به هذا الأمين العام يحمل بُعدا قبليا واضحا، يضاف إلى بُعده الجهوي. فهو، من خلال إبداء الأسف، ولو بصورة ضمنية، لغياب منتخبين من أبناء قبيلته، وتقديم تعيين عدد من أبنائها في مناصب مهمة باعتباره نوعا من التعويض عن هذا النقص في التمثيل الانتخابي، يختزل الدولة في نظام لتقاسم المناصب بين الجهات والقبائل. ومثل هذا الخطاب، الصادر عن أحد كبار موظفي الدولة وهو في موقعه الوظيفي، يكشف بوضوح عن أمر بالغ الخطورة. إنه يعكس التآكل المتواصل والانحلال المتسارع للدولة في ظل هذا النظام، حين يتحول من يفترض بهم تجسيد سلطة الدولة إلى مروّجين للمنطق القبلي والجهوي الذي يفترض بالدولة الجمهورية أن تحاربه وتضع حدا له.
إن تقديم تعيين بعض أبناء منطقة معينة باعتباره مكسبا سياسيا يُراد من خلاله تعبئة تلك المنطقة، هو بالضبط ممارسة للسياسة على أسس جهوية وقبلية وهوياتية.
وهذا الخطاب، في منطقه، لا يختلف عن الخطاب الذي يسعى إلى تعبئة قاعدة عرقية أو شرائحية. فهو يقوم على التصور المجتمعي نفسه للمواطنة: «لقد حصل أبناؤنا على مناصب، إذن فالسلطة جيدة بالنسبة إلينا».
وهذه رؤية خطيرة للدولة.
والأخطر من ذلك أن صدور هذا الخطاب عن مسؤول سام في الدولة يكشف عن تراجع عميق في الإحساس بمعنى الدولة ووظيفتها.
موريتانيا جمهورية، وهي دولة موحدة. ولا ينبغي أن يُنظر إلى مواطنيها باعتبارهم أبناء جهات تمنحها السلطة المناصب وفقا لأصولهم وانتماءاتهم.
علينا أن نقلق عندما تتحدث السلطة، بدلا من مخاطبة المواطنين عن العدالة والتعليم والصحة وفرص العمل والتنمية والمساواة أمام الدولة، عن «أبناء قبائلنا ومناطقنا» الذين تم تعيينهم في المناصب.
وعلينا أن نقلق عندما يساهم المسؤولون العموميون أنفسهم في ترسيخ فكرة أن لكل جهة أو قبيلة أو مكوّن اجتماعي نصيبا خاصا في جهاز الدولة.
فكلما واصلت السلطة الحكم والتعبئة على أسس جهوية وقبلية وهوياتية، فإنها تنتهي بنفسها إلى صناعة مشاعر الإحباط والمطالب التي ستدّعي لاحقا أنها تحاربها.
موريتانيا ليست بحاجة إلى دولة توزّع الحصص على مكوناتها، بل إلى دولة تضمن الحقوق نفسها لجميع مواطنيها.
ولن تتماسك بلادنا أبدا من خلال التنافس بين الجهات والقبائل والمكونات من أجل الحصول على المناصب. وإنما ستتماسك عندما يدرك كل موريتاني أنه يستطيع الوصول إلى مؤسسات الدولة، لا لأنه «ابن» هذه المنطقة أو ينتمي إلى هذه القبيلة أو إلى هذا المكوّن، وإنما لأنه مواطن موريتاني فحسب.
ذلك هو معنى الجمهورية.
ولهذا تحديدا، علينا أن نكون يقظين اليوم إزاء هذا الانحراف المزدوج: فمن جهة، الإعداد لانتهاك الدستور، ومن جهة أخرى، تطبيع الخطاب القبلي والجهوي في قلب مؤسسات الدولة نفسها.
لا يمكن بناء التوافق الوطني بخطاب، والتحضير لهدمه بخطاب آخر.
بيرام ولد الداه ولد أعبيد
٦ سبتمبر ٢٠٢٦


.gif)

.jpg)


.jpg)