مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

البلديات في موريتانيا.. لماذا لا ينجح العمد؟..

سؤال الصلاحيات والتمويل على طاولة الحوار
ماذا يعني أن ننتخب عمدة لا يملك كامل أدوات إدارة مدينته، ثم نحاسبه على نظافتها وطرقها وإنارتها وتنميتها؟ وماذا يعني، في المقابل، أن نمنح المال العام لسلطة محلية إذا لم تكن وراء كل أوقية منه رقابة قادرة على السؤال: أين صُرفت، وكيف، وماذا أنجزت؟

بين هذين السؤالين تكمن أزمة اللامركزية في موريتانيا: صلاحيات لا تزال دون حجم المسؤولية، وموارد محدودة أمام حاجات تنموية متزايدة، وفي المقابل منظومة رقابية موجودة قانونًا، لكنها تحتاج إلى مزيد من الانتظام والتخصص والفاعلية والاستباق.
وفي ظل الحوار الوطني المنتظر، تبدو الفرصة مناسبة للانتقال إلى جيل جديد من اللامركزية يقوم على قاعدة لا تحتمل الالتباس:
لا مسؤولية بلا صلاحية، ولا صلاحية بلا تمويل، ولا تمويل بلا رقابة ومحاسبة.

أربعة عقود.. أين وصلنا؟

بدأ المسار البلدي الحديث سنة 1986، ورسخ الأمر القانوني رقم 87-289 بتاريخ 20 أكتوبر 1987 النظام البلدي، ثم أضيفت الجهات بموجب القانون النظامي رقم 2018-010 بتاريخ 12 فبراير 2018.
وقد أسهم هذا المسار في ترسيخ التمثيل المحلي، لكن متطلبات التنمية تقدمت على النموذج الذي صُممت عليه البلديات.
فالمدن توسعت، والسكان تزايدوا، والحاجات تضاعفت، بينما ظلت قدرات الكثير من البلديات المالية والبشرية والتنفيذية دون مستوى المسؤوليات التي ينتظرها منها المواطن.
وهنا نشأت مفارقة واضحة: العمدة في الواجهة أمام المواطن، لكن القرار والتمويل ووسائل التنفيذ ليست كلها في يده.

واقع التسيير.. مسؤولية مشتتة ورقابة تحتاج إلى أن تصبح دائمة:

ففي النموذج الحالي تتداخل أحيانًا مسؤوليات الدولة والجهة والبلدية، فتضيع الحدود بين من يقرر ومن يمول ومن ينفذ ومن يُحاسب.
وقد يتحمل العمدة سياسيًا أمام السكان مسؤولية النظافة والطرق والإنارة وغيرها، بينما لا يمتلك دائمًا كامل الموارد والوسائل التنفيذية اللازمة.
وفي الاتجاه الآخر، فإن وجود النصوص والأجهزة الرقابية لا يعني بالضرورة أن كل عملية مالية محلية تخضع لرقابة متخصصة ومتزامنة وفعالة بالدرجة نفسها.
فالرقابة التي تأتي بعد سنوات من النفقة قد تكشف المخالفة، لكنها لا تسترد دائمًا فرصة التنمية الضائعة.
والتفتيش المتقطع قد يكتشف الاختلال، لكنه لا يعوض رقابة دائمة تستشعر المخاطر قبل وقوع الضرر.
لهذا لا نحتاج فقط إلى مزيد من الرقابة، بل إلى تغيير فلسفتها: من رقابة تأتي بعد الحدث إلى رقابة ترافق دورة المال العام من الميزانية إلى الإنجاز.

بلديات مكتملة الصلاحيات والتمويل:

ينبغي أن يكون الحوار الوطني فرصة لإطلاق الجيل الثاني من اللامركزية.
وتنقل إلى البلديات تدريجيًا الاختصاصات المحلية الحقيقية: النظافة، والطرق والإنارة الحضرية، والأسواق والمسالخ، والمرافق والممتلكات البلدية، وصيانة المنشآت، والتنظيم الحضري والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية.
لكن نقل الاختصاص دون المال والموظفين ووسائل التنفيذ ليس لامركزية، وإنما نقل للعجز من الإدارة المركزية إلى المنتخب المحلي.
لذلك يجب أن تصبح القاعدة قانونية وملزمة:
كل اختصاص يُنقل إلى البلدية تنتقل معه موارده المالية والبشرية.

الجهات للجهوي.. والبلديات للمحلي

إنشاء المجالس الجهوية سنة 2018 أضاف مستوى مهمًا للامركزية، لكن تقوية الجهات لا ينبغي أن تكون على حساب البلديات.
فالجهة ليست بلدية أكبر، والبلدية ليست جهازًا تابعًا للجهة.
ينبغي أن يكون التقسيم واضحًا:
الدولة للسياسات والسيادة والتوازن الوطني؛ والجهة للتخطيط والمشاريع ذات البعد الجهوي؛ والبلدية للخدمات والتنمية المحلية المباشرة.
وبذلك نعرف من يقرر، ومن يمول، ومن ينفذ، والأهم: من نحاسب.

أعطوا الصلاحيات.. وشددوا الرقابة

إذا طالبنا بصلاحيات وموارد أكبر للعمد ورؤساء الجهات، فعلينا في المقابل أن نطالب برقابة أشد على المال المحلي.
ويشير تقييم PEFA 2025 إلى إلزام الجماعات الترابية بإعداد الحساب الإداري وحساب التسيير سنويًا، كما بلغ انتشار النظام المتكامل لإدارة المالية المحلية SIGeL نحو 90% بنهاية 2023.
إذن لدينا أساس يمكن البناء عليه، والمطلوب الانتقال إلى منظومة تجعل العملية المالية قابلة للتتبع من بدايتها إلى نهايتها.

مفتشية مستقلة للجماعات المحلية

وهنا أقترح إنشاء مفتشية عامة مستقلة للجماعات المحلية، تشمل البلديات والمجالس الجهوية، وتتمتع بصلاحيات واسعة في التفتيش المالي والإداري ورقابة الأداء.
تراقب الميزانيات والإيرادات والنفقات والصفقات والممتلكات، وتتحقق من تضارب المصالح، وتجري عمليات تفتيش دورية ومفاجئة، وتنزل إلى الميدان للتأكد من أن المشروع الذي دُفع ثمنه موجود فعلًا وبالمواصفات والقيمة المعلنة.
وتُمنح حق الولوج المباشر إلى SIGeL والأنظمة المالية المحلية، مع نظام رقمي للإنذار المبكر يرصد العمليات غير العادية ومؤشرات المخاطر.
فتصبح الرقابة قبلية أثناء الالتزام، ومتزامنة أثناء التنفيذ، وبعدية بعد الصرف.
وتعمل المفتشية بالتكامل مع محكمة الحسابات والقضاء وأجهزة الرقابة القائمة، دون أن تحل محلها.

لا حصانة انتخابية أمام المال العام:

ويجب أن يصاحب توسيع الصلاحيات سلم واضح للمسؤولية والعقوبات، يميز بين الخطأ الإداري والمخالفة المالية والفساد المتعمد.
أما الاختلاس والرشوة والتزوير والصفقات الصورية وتبديد المال العام واستغلال المنصب، فإذا بلغت مستوى الفساد الجسيم الذي يحدده القانون، فيجب أن تكون العقوبة بمستوى الضرر.
وقد تصل، بعد الإجراءات القانونية وضمان حق الدفاع والطعن، إلى تعليق الصلاحيات، والتجريد من المنصب عند ثبوت المقتضى القانوني، واسترداد الأموال، والإحالة إلى القضاء، والمنع من تولي المسؤوليات أو الترشح لمدة يحددها القانون.
فالانتخاب يمنح شرعية إدارة المال العام، لكنه لا يمنح حصانة من المساءلة عنه.

من رقابة الأوراق إلى رقابة الأثر:

ولا ينبغي أن ينتهي التفتيش عند سؤال: هل كانت الوثائق سليمة؟
بل يجب أن يبدأ السؤال الأهم:
ماذا حصل المواطن مقابل هذا المال؟
كم طريقًا أُنجز؟ كم نقطة إنارة أضيفت؟ هل تحسنت النظافة؟ كم ارتفعت الإيرادات الذاتية؟ وما نسبة تنفيذ الميزانية والمشاريع؟
فقد تكون الملفات مكتملة، بينما الأثر التنموي ضعيف.
وهنا ينبغي أن تنتقل موريتانيا من رقابة النفقة إلى رقابة النفقة والنتيجة معًا.

حان وقت العقد الجديد:

المشكلة إذن ليست في وجود البلدية أو الجهة، بل في المسافة بين الاسم والسلطة، وبين المسؤولية والوسيلة، وبين الإنفاق والرقابة على نتيجته.
والحوار الوطني فرصة لإغلاق هذه المسافة بعقد جديد:
صلاحيات حقيقية + تمويل كافٍ + إدارة مهنية + رقمنة شاملة + مفتشية مستقلة + رقابة قبلية ومتزامنة وبعدية + عقوبات رادعة + محاسبة على النتائج.

أعطوا العمدة الصلاحية والمال، ثم لا تتركوا أوقية واحدة خارج الرقابة.
فإذا نجح، لم يعد يستطيع أن يقول إن الصلاحيات كانت غائبة، وإذا فشل لم يعد يستطيع أن يختبئ خلف المركزية، وإذا فسد لم يعد يستطيع أن يحتمي بالانتخاب.
عندها فقط يصبح للامركزية معنى: سلطة تكفي للإنجاز، ومال يكفي للتنمية، ورقابة تمنع العبث، وقضاء يحاسب من يتجاوز.
وذلك هو التحدي الحقيقي أمام الحوار القادم:

د محمد الأمين شريف أحمد

سبت, 12/09/2026 - 10:48