
تشهد فترات الصيف اللاهبة في مختلف أنحاء العالم ضغوطاً استثنائية و غير مسبوقة على شبكات الطاقة الكهربائية، حيث يتزامن الارتفاع الحاد في درجات الحرارة مع ذروة الطلب على الاستهلاك.
و في هذا السياق المناخي و التقني المعقد، تعرضت محطتا التوزيع الفرعيتان (33/15 كيلوفولت) الشرقية و الشمالية التابعتان لمجموعة (صوملك) في انواكشوط لحريقين مفاجئين شبه متزامنين ،
وهو حادث فني خارج عن الإرادة، يمكن أن يقع في أكبر شبكات الطاقة العالمية نتيجة تداخل عوامل التقادم و الإجهاد الحراري و الحمل الزائد على المنظومة.
فضلا عن إملاءات معادلة العرض و الطلب و الأعطال الفنية الطارئة و العمر الافتراضي للمعدات ،
ومع ذلك رافقت هذا الحادث الطارئ موجة من الاستياء المغذى بحملات التخوين و إلقاء اللوم جزافاً على الكادر البشري و المسؤولين.
وهي مقاربة تفتقر إلى الإنصاف و الموضوعية ،
فإدارة الكهرباء منظومة هندسية بالغة التعقيد تتداخل فيها عمليات الإنتاج، النقل، التوزيع، والحماية، ولا يملك أي مهندس أو عامل صيانة التحكم المطلق في الأعطاب الطارئة الناجمة عن تهالك الشبكات أو الظروف المناخية القاسية.
هذا وقد عاشت موريتانيا لسنوات طويلة تحت وطأة عجز حاد في قدرات توليد الطاقة، مما ترك ذكريات قاتمة من الانقطاعات الشاملة و المستمرة في عهود ماضية. ومع توجه الدولة خلال السنوات الأخيرة نحو الاستثمار المكثف لتجاوز عقبة النقص في الإنتاج نجحت البلاد بالفعل في رفع قدرات التوليد وبناء محطات حديثة ،
إلا أن هذا النجاح كشف عن خلل بنيوي خطير ،
لقد جاء الاستثمار في التوليد على حساب منظومة النقل و التوزيع و الحماية ،
وتُجسِد العاصمة نواكشوط هذا الخلل بشكل صارخ، فالمدينة تشهد توسعاً أفقياً وديموغرافياً متسارعاً، مما يضع شبكات التوزيع الهشة و المتقادمة تحت ضغط هائل يفوق طاقتها الاستيعابية.
إن وجود أحدث محطات التوليد يفقد قيمته الاستراتيجية والتنموية بالكامل إذا لم تتوفر شبكات نقل و توزيع متطورة وآمنة قادرة على إيصال هذه الطاقة إلى منازل المواطنين ومنشآتهم الحيوية واستيعاب التدفقات الكهربائية المتزايدة .
إلا انه بدلاً من الركون إلى مبررات الأزمة، تحولت مواقع الأعطال في محطتي التوزيع المحترقتين حينها إلى خلية نحل حقيقية و غرفة عمليات مفتوحة على مدار الساعة. وقد تجسد ذلك في الحضور الميداني المباشر والإشراف الدقيق من قِبل معالي وزير الطاقة والنفط السيد محمد ولد خالد ،
الي جانب المدير العام لمجموعة صوملك السيد أخرمبالي لحبيب
و بمشاركة المدير العام للكهرباء والطاقات المتجددة بالوزارة الوصية السيد محمد المختار احمد مولود ،
و كذلك المدير العام المساعد السيد أحمد سيلا رمضان، اللذين قادوا الجهود بمعية المدير المركزي للتوزيع، و مديري فروع إدارة التوزيع المختلفة و بمساعدة بعض أطر الشركة من مهندسين و فنيين أكفاء ،
لقد شكل هذا التناغم القيادي رافعة أساسية للأطقم و العناصر الفنية التي واجهت الموقف بروح الفريق الواحد.
إن إعادة الخدمة الكهربائية وتأمين استقرار الشبكة بعد حريق أصاب محطتي تحويل بهذا الحجم، و في ظل نقص البدائل الجاهزة، يُعد إنجازاً فنياً استثنائياً بكل المقاييس.
فقد واجه المهندسون والفنيون و عمال الصيانة ظروفاً تشغيلية بالغة الصعوبة، وضغطاً نفسياً وزمنياً هائلاً، لإعادة تشغيل المحطتين و ربط الأحياء السكنية والمنشآت الحيوية بالتيار الكهربائي في وقت قياسي أبهر المراقبين الفنيين.
فمن غير المنصف إطلاقاً إحالة الأعطال الهيكلية البنيوية إلى تقصير بشري، فالعمال هم خط الدفاع الأول الذين يواجهون النيران و لهيب الصيف لإصلاح ما أفسدته التغيرات المناخية و ضغط الاستهلاك ،
صحيح لم يعد انقطاع التيار الكهربائي في الآونة الأخيرة مجرد خلل فني عابر، بل تحول في الوجدان الجمعي إلى إدانة جاهزة تُرجع كل تذبذب في الخدمة إلى حريق المحطتين التوزيعيتين في ربط عاطفي يتجاهل الحقائق الميدانية الواضحة.
فالواقع و التشخيص الفني يؤكدان أن الشبكة المتهالكة و البنية التحتية الكهربائية القديمة تكون دائما الحلقة الأضعف و الأكثر عرضة للأعطال الفنية المفاجئة نتيجة عدة عوامل طبيعية و تشغيلية .
إلا أن غالبية الأعطاب المسجلة حاليا علي مستوي الشبكة و التي تعيق الخدمة من حين لآخر وتعطل مصالح المواطن هي ناتجة في أغلب الأحيان عن أعمال حفر عشوائية تنفذها مؤسسات خدمية عمومية،
دون تنسيق مسبق أو كافٍ مع الشركة
بالإضافة إلي إصطدام السيارات و الشاحنات بأعمدة الكهرباء و الهروب من موقع الحادث ،
مما يُلحِقاضرارا جسيمة بالشبكة و يُسبب في انقطاع الكهرباء عن أحياء كاملة ،
بالتأكيد غياب التنسيق يضع خطوط التغذية الأرضية تحت رحمة آليات الحفر، لتتحمل صوملك وحدها فاتورة الهروب من موقع الحادث و أخطاء خارجة تماماً عن إرادتها.
إن هذه الأعطاب ليست وليدة اليوم، بل كانت تحدث في السنوات الماضية و في الأمس القريب و بشكل اعتيادي دون أن تثير هذا الصخب الهائل و الكبير.
لكن اليوم، يمر المجتمع بمرحلة ركوب الأمواج ، حيث يٓلقى أبسط عطل و أقل ضرر تهويلاً واسعاً و شائعات تُستغل لتشويه صورة الشركة و من ورائها الحكومة ،
حتى وإن كانت المحطتان المعنيتان تعملان بانتظام كباقي المنظومة.
صحيح أن شبكة التوزيع تتطلب اليوم مراقبة صارمة وجادة للإصلاح السريع، لكن استمرار الخدمة ومصالح المواطن يظلان رهينين بـتنسيق مؤسسي شامل مسبق و وعي مجتمعي يميّز بين الخلل الفني الطارئ والاستهداف الإعلامي الممنهج.
إن ما جرى خلال هذه الأزمة يستدعي وقفة إجلال وتثمين لجهود هؤلاء الجنود المجهولين ،
بدءا بالدور المحوري لمعالي وزير الطاقة السيد محمد ولد خالد ،
و كذلك الدور الرئيسي المباشر للمدير العام لمجموعة صوملك السيد أخرمبالي لحبيب،
و مساعده السيد أحمد سيلا رمضان ،
اللذان بذلا و واصلا تقديم جهود إستثنائية و حثييثة لتخطي كافة التحديات
و تذليل العقبات الإدارية و اللوجستية فورا و متابعة الأشغال و مواكبة كل مراحل تشغيل المحطتين و إصلاح الأعطاب و اعادة الخدمة الي سابق عهدها ،
كما شكل التواجد الدائم للمدير العام للكهرباء والطاقات المتجددة السيد محمد المختار احمد مولود،
بالميدان ركيزة أساسية لنجاح عمليات إصلاح الأعطاب ، حيث اشرف إلي جانب معالي وزير الطاقة و المدير العام و العام المساعد لمجموعة صوملك علي كل مراحل تشغيل المحطتين و إعادة الخدمة ،
مؤكدا علي نهج القرب و المتابعة الدقيقة التي انتهجتها الوزارة في إدارة الأزمات،
كما كان للمدير المركزي للتوزيع رفقة مديري فروع إدارة التوزيع الذين تواجدوا في قلب الحدث الدور الهام في توجيه الفرق الفنية و الوقوف علي جزئيات و حيثيات
العمل المتواصل لمهندسي و فنيي و عمال الشركة والذين يعملون بروح الفريق الواحد تحت أشعة الشمس الحارقة و داخل القاعات الخانقة و في ظروف خطرة لإعادة تشغيل المحطتين الفرعيتين.
إن تجاوز أزمة احتراق محطتي التوزيع بالسرعة التي تمت بها يبرهن على أن مجموعة صوملك تمتلك كفاءات وطنية عالية التأهيل و قادرة على إدارة الأزمات المعقدة بكفاءة.
بالمقابل يُجمع معظم المراقبين و المتابعين للشأن العام علي أن فترة تسيير المدير العام الحالي لصوملك السيد أخرمبالي لحبيب ،
تحظي بتقدير ملحوظ ،حيث يُنظر إليه كإطار كفء يسعي لإدخال إصلاحات هيكلية و تعزيز مستوي الشفافية و الحكامة الرشيدة منذ مجيئه للشركة ،
غير أن وضع حلولٍ جذرية و مستدامة يستلزم ضخّ استثمارات ضخمة لتحديث البنية التحتية لشبكات التوزيع و هو ما سارعت الحكومة إلى تبنيه استجابةً للأزمة الراهنة، حيث خصصت التمويلات اللازمة لها في سياق برنامجها الاستعجالي ،
أما الكادر البشري الحالي من قيادته العامة إلى أصغر فني في الميدان فقد أدى أمانته المهنية خلال هذه الأزمة على أكمل وجه و ستظل جهودهم محل تقدير و احترام .
لا يختلف إثنان علي ان خدمة الكهرباء هي شريان الحياة العصرية، والحصول عليها بانتظام و استمرار هو حق أصيل ومكفول لكل مواطن، لا غنى عنه لاستقرار البيوت و دوران عجلة الاقتصاد. وتلتزم المؤسسات الخدمية دائمًا بالوفاء بهذا الحق كأولوية قصوى.
و مع ذلك فإن الطبيعة المعقدة للشبكات و المنظومات الكهربائية تجعلها عرضة لأعطال فنية طارئة وصيانة دورية فرضتها ظروف تشغيلية أو مناخية عابرة.
و في مثل هذه الحالات يتجلى وعي المجتمع في التفريق بين التقصير المستمر والعطل الفني المؤقت.
إن استغلال هذه الأعطاب العابرة لتهويل القضايا الفنية سياسيا واجتماعيا أو ركوب الأمواج لإثارة الرأي العام لا يخدم المصلحة العامة.
فالإنصاف يقتضي دعم جهود الفرق الفنية المرابطة في الميدان لإعادة الخدمة، والاعتماد على قنوات التواصل الرسمية لمعرفة الحقائق، بعيدًا عن التضخيم.
إن التوازن بين المطالبة المشروعة بالحقوق وتفهم الإكراهات التقنية هو السبيل الأمثل لبناء مجتمع واعي وشراكة حقيقية بين المواطن ومؤسساته الخدمية.
بالطبع الحلول الترقيعية و التقارير التجميلية هي التي حَجبت لسنوات واقع الشبكة المتردي .
إن العبرة الأبرز و المستخلصة من هذه الأزمة التي يجب على الجميع وعيها اليوم هي أن محوري الطاقة (الإنتاج و التوزيع) متلازمان كوجهي العملة الواحدة،
و لايمكن لأحدهما أن ينجح بمعزل عن الآخر.
حيث لا يمكن تحقيق استقرار معيشي أو اقتصادي دون معالجة هذا الاختلال البنيوي بشكل جذري.
فيجب أن تسير عمليات التطوير المستقبلي للقطاع في خطين متوازيين و بشكل متزامن، بحيث يواكب الاستثمار في شبكات التوزيع الحديثة و المحطات الاحتياطية نفس وتيرة التوسع في محطات التوليد.
إن الانتقال من عقلية المسكنات المؤقتة والحلول الترقيعية إلى الهيكلة الشاملة لشبكات العاصمة هو الضمانة الوحيدة لمنع غرق نواكشوط في الظلام مجدداً وتحويل الوفرة الطاقوية إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة،
تأسيسا لما سبق يبقى الانتظار الواعي هو السبيل الأمثل لكشف الحقائق و جلاء الغموض. و مع ترقب مآلات التحقيق الفني الذي أشرف علي نهايته ، نتذكر دائماً أن الخبايا لا بد لها أن تظهر، وأن غداً لناظره قريب .
كامل الإنصاف



.gif)

.jpg)


.jpg)