
لم يعد التملق داخل المشهد السياسي و في الفضاء العام الموريتاني مجرد سلوك فردي عابر، بل تحول في الآونة الأخيرة إلى مؤسسة موازية لها أدواتها و منصاتها الخطابية و رموزها ولعل الصدمة الجماعية التي أحدثتها و مازالت تحدثها من حين لآخر في كل ظهور جديد لمقاطع الناشط و المهرج زيدان و هو يتصرف بجرأة فجة في ابروتوكولات المسؤولين و يتحكم في سكون و جلوس وحركة الوزراء و الشخصيات الوطنية و الوفود و الزوار في اللقاءات الرسمية و التجمعات الشعبية و في كل حراك سياسي ،
لم تكن مجرد موجة تندر عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل كانت بمثابة مواجهة قاسية مع مرآة تعكس واقعاً سياسياً مأزوماً.
إن تصدر هذه النماذج للواجهة يثير سؤالاً جوهرياً ومقلقاً ،
هل تخلت السياسة الموريتانية عن لغة البرامج و الأفكار لـتفسح المجال أمام ثقافة الانتهازية و الهرج كأدوات وحيدة للترقي و صناعة القرار؟
إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في ظاهرة زيدان كشخص يقتات على السخافة و بيع النفاق الجاهز،
ويمثل نموذجا حيا لصناعة التصفيق و الإنقياد الأعمى،
حيث تختفي الأفكار و البرامج التنموية ليحل محلها خطاب المداهنة الفج والبحث عن القرب من مراكز النفوذ بأي ثمن،
بل في تلك النخبة السياسية والاجتماعية المتواطئة التي تُشٓرْعِنُ النفاق و التملق كمهارة اجتماعية و سياسية للترقي ، بينما يُنظر فيه إلي النقد البناء و المطالبة بالشفافية كنوع من الوقاحة أو التشويش ،
عندما يصبح المصفقون و المتملقون هم حاشية القرار و واجهة المبادرات السياسية و الزيارات الرئاسية
فإن الرسالة الضمنية الموجهة للشباب و للكفاءات الوطنية هي لا قيمة لعلمكم و لا لجهدكم ، فالولاء الأعمى أسرع طريق للوصول ،
هذا الواقع يعزل صناع القرار في فقاعة من المديح الزائف و يحجب عنهم الأزمات الحقيقية للمجتمع.
بالتأكيد تكتسي الزيارات التفقدية التي يقوم بها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ،
إلى داخل البلاد أهمية استراتيجية بالغة، إذ يُفترض أن تشكل قناة اتصال مباشرة بين قمة الهرم السياسي والقاعدة الشعبية، وفرصة سانحة للوقوف ميدانياً على الاختلالات التنموية الحاصلة والاستماع الصادق لأنين الساكنة المحلية و مطالبهم المشروعة.
و مع ذلك يتحول هذا الهدف النبيل غالباً إلى عكسه بسبب ظاهرة تصدر المجموعات النفعية و المتملقين لواجهة هذه الاستقبالات.
إن ترحال هذه الفئات خلف الرئيس من ولاية إلى أخرى، واحتكارها لمنصات الخطابة والترحيب
يصنع جداراً عازلاً يحجب الواقع الحقيقي للمواطنين ،
وبدلاً من أن يعاين الرئيس نسب الفقر، ونقص الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء و الصحة و التعليم،
يُحاط بمشهد احتفالي زائف يصور الأوضاع على غير حقيقتها.
تكمن خطورة هذا السلوك في تزييف وعي صانع القرار وإهدار الغاية التنموية من هذه الجولات المكلفة. إن إقصاء الساكنة المحلية الحقيقية عن التعبير عن همومها يرسخ شعور التهميش ويعمق الفجوة بين المواطن و الدولة.
بحيث يكرس و يعزز دور الجهة و القبيلة علي حساب الدولة الحاضنة و الجامعة ،
و لإنجاح هذه الزيارات، بات من الضروري إعادة الاعتبار للمواطن البسيط، وتحويل هذه اللقاءات من تظاهرات بروتوكولية للولاء السياسي إلى ورشات عمل ميدانية تلتمس الحقيقة فيها من أفواه الساكنة المحلية فقط ،
فمن المثير للسخرية والاشمئزاز معاً، أن ينصب عتب المجتمع و سخطه على المهرجين و المتملقين الصغار، بينما يتم التغاضي عن كبار المتملقين من أصحاب النفوذ و الجاه ، أولئك الذين يرتدون بدلات الرصانة ويجلسون في المقاعد المخملية، لكنهم يمارسون أسوأ أنواع التملق المقنّع ، هؤلاء هم الذين ما فتئوا يرفعون شعارات تعديل الدستور وصياغته على مقاس مصالحهم الشخصية، ضاربين عرض الحائط بمفهوم دولة المؤسسات.
لا يخفي علي أحد أن مجتمعنا يعيش تجاذباً حاداً بين نمطين من النفاق ينهلان من مشكاة واحدة ، نفاق النخب النافذة ونفاق النفعية الفردية. والمفارقة الصادمة تكمن في أن المجتمع يعيب و يُدين و يعاتب بشدة نفاق العامة الباحثين عن مكاسب مادية صغيرة، بينما يُشرعن ويبارك عبث كبار المتملقين من أهل النفوذ و المال بالوثيقة الدستورية، في متوالية تتكرر مع رحيل كل نظام ومجيء آخر.
تتجلى هذه الجدلية بوضوح في المشهد الوطني عبر تجارب التصفيق و التحيين فحين يطالب وجهاء وقادة رأي بتعديل الدستور أو القفز على مقتضياته من أجل إطالة فترة نظام ما من خلال مأمورية رئاسية ثالثة يمنعها الدستور تحصينا للتناوب السلمي علي السلطة و إستقرار البلاد ،
حيث لا يُنظر إلى فعلهم كجريمة في حق دولة القانون، بل يُغلَّف بعبارات من قبيل الإجماع الوطني أو استكمال مسيرة البناء . تملك هذه النخب سلطة المال والجاه و القبلية، مما يمنحها القدرة على إعادة تسويق انتهازيتها السياسية كحكمة واستشراف.
في المقابل يُحاصَر المواطن البسيط أو المتملق النفعي الصغير بالملامة الأخلاقية و الدينية إذا مارس سلوكاً تملقياً لكسب قوت يومه.
هذا التمايز يرجع إلى غياب غطاء الحماية ، فنفاق الضعفاء عارٍ ومكشوف، بينما نفاق الأقوياء مؤسسي و محمي بشبكات المصالح القبلية و الجهوية والسياسية التي تجعل المجتمع، إما خوفاً أو طمعاً، يتواطأ بالصمت.
إن استباحة العبث بالدستور وإدانة النفعية المادية الضيقة هما وجهان لعملة واحدة من معدن واحد ،
ولن يستقيم بناء دولة المواطنة في موريتانيا ما لم يسقط القناع عن نفاق الكبار، وتُربط قيم الأخلاق بالمسؤولية السياسية، ليصبح الدستور عقداً مقدساً لا مجرد ورقة تُعاد صياغتها على مقاس المصالح العابرة.
إن معالجة هذه الظاهرة الآخذة في التمدد لا تكمن في إقصاء أو نقد شخص زيدان كحالة فردية، بل في تفكيك البنية الثقافية والسياسية التي تشرعن النفاق وتمنحه صكوك الغفران، ومحاسبة النخب المتملقة التي تتلاعب بالدستور و الثوابت الوطنية من أجل مصالحها الضيقة.
إن الاستمرار في تغييب معايير الكفاءة والنزاهة لصالح الولاءات العابرة للأنظمة يهدد كينونة الدولة. ولتجاوز هذا المستنقع بات من الضروري التأسيس لمشهد وطني جديد يعتمد المحاسبة والمصارحة كركيزتين أساسيتين لبناء دولة حقيقية، تتسع لعقول أبنائها لا لتصفيق حاشيتها العابثة .
لك الله يا وطن




.gif)

.jpg)


.jpg)